Edgar_Allan_Poe_daguerreotype_crop

(إنني أحتقن أحترق أرتعد) – من قصة القط الأسود  – إدغار الأن بو (1809-1849)

(من الحماقة أن أحدثكم عن الأفكار التي تلاطمت برأسي) – إدغار الأن بو

(كل ما نراه هو حلم داخل حلم) – إدغار الأن بو

  • ﻛﻤ… هو أسم عربيٌ.

  • وﺍﻟﻜﻤ… في اللغة العربية تعني ﺗﻐﻴﺮ ﺍﻟﻠﻮﻥ ﻭﺫﻫﺎﺏ ﺻﻔﺎﺋﻪ لسبب ما.

    والكمادة .. أو الضمادة هي قطعة قماش أو قماش أو جزء من رداء أو خرقة ساخنة يتم تطهيرها وتوضع على العضو المصاب أو المنتفخ أو المتورم على فترات متقطعة أو مرة بعد مرة بغرض تسكين الورم أو الوجع أو للذهاب به بعيدًا وتعمل كفعل المسكن أو المهدئ الطبي.

  • أكمد العضو أو موضع الألم أو الورم، أي وضع عليه “كمادة” بسبب جرح أو ورم أو ألم ما.

    ﻛﻤ ﺍﻟ بمعنى انه قد أصابه الحزن والغم أو أنه قد ﺣﻥ ﺣﻧًﺎ شديدًا ﺃﻭ ﻛﺘﻧﻪ ﻓﻲ ﻗﻠﺒﻪ.

    وفي مدلولات الأغنية السودانية كما قيل يا قلبي المكتول كمد“.

    “المكتول” هو “المقتول” وهو الاستخدام الشائع في أواسط غير الناطقين بالعامية وهنا المقصود هو القلب المليء بالحزن كالمقتول بسببه همًا وغمًا.

  • الكمدة بالرمدة، هي عبارة عامية سودانية خالصة، يتم استخدامها في حالة المرض، أو لوصف الجروح التي يصعب علاجها أو شفائها أو كأن تستخدم في وصف حالات أمراض البطن.

  • الكمدة قد بدأت بعلاج العيون … مرض الرمد ، ثم شاع الاستخدام و هو عندما تعالج رمد العيون بالمكمدات (القماش القطني المبلل بالماء البارد)، مع الأعشاب فتشفى العين فورًا من الرمد، ثم صارت الجملة بالحالة اللغوية السودانية العامية الدارجة تستخدم لكل علة يتم استخدامها كعلاج فوري لها من مثل علتها.

  • المرجع الغالب هو أنه تراث موروث من الأحاجي وحديث وحكاوي الحبوبات والخالات في جلسة القهوة بالبيت السوداني.

(1)

طواف

 أشعر بأن الموت يتسرب إلى جسدي الكاتب الياباني الراحل كيميتاكي هيراوكا (14/1/1925 – 25/11/1970) طوكيو/إيشيقاوا.

حياة البشر قصيرة، لكني أود أن أحيا إلى الأبد كيميتاكي هيراوكا.

على المرء ألا يثق في قدرة السفن على الوفاء بمواعيدها كيميتاكي هيراوكا

ترحال السفن في مياه الضباب، ضياع الأمنيات بإبحارها صوب المجهولِ، والسعف في الصبحِ،،، نورٌ لفجر القادمين، فضاءات تخيطها تخيلات أشباح الفجرِ، نور الشمسِ حين يستقر على الأفق، ينعكس على ظهر الصخورِ وينادي بخور الأشياءْ، الموت في غضاريفِ الأجساد لا يستقر على حال، والصخور لا تقبل التحنيط، بعض الشجيرات من على جانب سفح البر بالقرب من الصبحِ، تضج بالأسرارِ، وما يقال عن الحديد وضعفه حين يذوب منصهرًا تحت الحريقِ، فلا يليق بطرقه إلا بمزيد من الضغط عليه، وكذا نهج الكمدة بالرمدة في معالجة تعقيدات الحياة وركونها المتكاسلِ، فتغلفها وتعيقها عن التمددِ فلا يغدو لها أثرًا سوى وقعها الذهني في سعف الأشياءْ.

والسعف بعد قدوم الليلِ يكتفنه الصمت وتغطيه عتمة الدخلاء، وحين يتسرب لداخل الأجساد يتكمم بالمعقولِ من الحياة.

(2)

نزوة الصخرة وبلاء الليلة السابقة

الصخرة على جانب النهر تمارس القهقهةِ، ليس غريبًا أن تبعد جسدًا كفج النهر لأكفهاره، وليس بعيدًا أن تغدو شاذًا وتبتلع ذات النهر، فهو من ماء القرنبيط وخليط العشب، النهر الفحل كذكر الجاموسِ متين ومهابٌ ومعضددٌ بالقوة والبأس، يبتلع الأجساد بكل ذكرياتها، والصخرة لا تسمح بإخراج فجاج النهر، إلا بما يجلبها بعد غسلها بملح الغفران، والصخور كالحجارة لا تبادر بالعراك، ليس كئيبًا أن تبدأ شجارًا مع السحب وتجاهر بالتلويح بالمطر، ليس غريبًا أن تدعو نزوة الليلات لجلب نبيذ البعد والقحط، ولا يعجبكَ سوى هزيم جسدكَ فوق صخرة البلاءِ، عث الليلة السابقة يعسكر فيها، ليس مباحًا أن الصخرة تنوء بفعل الكمدة والرمدة.

(3)

أذكر أنني حلمت كثيرًا لدرجة الإختلال، فإحتقن عقليّ واختفى..

حلم الأمسية ذاتها يختلي بها، ذكر الضفادع يعقم جبهته ضدكَ ويحاول أن يختلي بالسر بها، مابين صيغة البعث بعد الموت بالاحتراق وبين صبغة الرماد، دعوة لاشتعال متجدد لكَ، أيها المبعوث في شق التخاريفِ الخرقى، حساؤكْ كساء الطريق وشمع الحقبة الآتية، يا أيها الدفء الشهي بعلامة الشتاء،  تعال فبطرفي أغنية طربة كسلى وعزائي صوتها الغريدِ، ودع طرفكَ عن متاعٌ يلقح الكلمات ويغلفها بالمتاح من الألحانِ، كمن يبحث عن الكلماتِ ويشاقق رصيف الأشياء.

(4)

وهل يصاب الرصيف أحيانًا بالحزن؟

//كل جَمرةٍ مُحتضرةٍ تُلقي على الأرضِ رَمادها.

تَوَسّلتُ مجيء الصّباح// من قصيدة الغراب نشرت عام 1845– إدغار الان بو

كأنيّ بالرصيف أقتلعه وأتوسط قمة الحقبة الآنية أزاوجها بالسر وأفنيها، اللقاح يصيبنيّ ويقتلع الرصيفِ،  وما يصيبني من اللهاث يطربنيّ،  ولا أتوقف عن بصق السراب المجدلي، بيدي حين قامت صفارة المنعطف بالإذعان لي، أعقبتها صافرة الرصيفِ كنذر لسفينة اللقاح، هذا الكوب يأتي بالبعيد من الخواطر ويجلب الأشخاص والوجوه ويحرك تفاصيلها، القهوة لا تعيها إلا حين ترتشفها بصحبة القلب الرقيق، وجودها يمتص كآبة الزمن وصلف الأشياء، وكذا هو نهج الرصيف معكْ حين تحدق بالبحر فلا تشعر إلا بزوال الحزن.

(5)

اللوحة تجدد فناء الألوان بها..

لايوجد جمال دون غرابة في المكونات” الفيلسوف فرانسيس بيكون

اللوحة تبدو أقرب للحقيقة بيد أنها مقهورة بكثافة الألوان وظلال التجريب عليها، فقد كثر تمرير فرشاة الماء مختلطة بالدمع وبقايا ما إختزنه عقل العصب والتجريد، حينًا يصيبها بعض الجفاف وحينًا آخر يكتنفها البلل، اللوحة كأنها إنسان كامل يكتنز فضائح العمر في حزمة ألوان وتداخلية إيحاءات صرفة، النكد باللوحة يبدو وكأنه بعث متجدد لضياع الألوان فيها، فبعض اللوحات تكاد تنطق بالقهر.

(6)

انتبهت لوحدتيّ، بعد قراءتي المريرة مع اللوحة المبللة بالدمع، عزلتيّ بدأت حين فتحت الباب على هذه العين التي تتنفسني، يغمق لوني بالسحر ويزداد شحوبًا، أسمع من خلف ذاك الباب أكثر من نظري عبره، حين أدخلها لا أخرج منها مغسولًا بالحيرة، متسخًا بالشكِ والغبطة على سواء، حنانها كالمطر يغطيكَ يغلفكَ يسوقكْ صوب أعماقها، فلا أتعجل إغلاقي لباب تنفسي فقبلتيّ هي خفاف حركتي تجاهها تلكم الفتاة الصدى في كثافة ألوان اللوحة.

(7)

عضد عدم الإيمان بالشفقة لا يحدث إلا حين تغيب الرمدة عن نطاق الكمدة، كأن يرتبك القلب حين يراها فيرغب في اللحاق بها، والكمدة على ساق الركض مساقة بالهرولة والعدو بصورة متصلة، أعدو بلا ميل لقطع نصل الطريق، قلبي تزداد دقاته العطشى، يتراكم…يتزاحم… ويلتصق ببعضه بالباطل، ففيه تذوب غايات ما وتضيع طرقات أخرى، في القلب تنشأ غابات من المواعيد بين اللقاء المرتقب دهرًا ومابين البعد الكائن قسرًا، ونصل الطريق لها الآن يعترض إيماني بها.

(8)

اختلالي يرتكب جرم الغوص في بحر الصخرة، ينشط فعل الغوصِ فبعض المغمورِ يغوص في رحم الصخرةِ، يبتلعه الزبد من قمته فيغرق ثم يطفو على بر مرتبك وبعيد منسي بطول امتداد الوحلِ، غاية الوقت الفاسد هي تمديد مكوث المغمور بقلب الصخرةِ، فيخرج المد البحريّ من ثنايا قصب الشعب المهجورة لما تحت الرحم بجوف الصخرةِ، ضحكات المرجان البحريّ تتعالى حين تغزلها الأسماك تهزها هزًا، وحين يشع البرق يبتلع البحر مرة أخرى صفير العتمة ولا ينقص سوى هيكل الزبد في بر ذاك الوحلِ.

(9)

ما يقال عن الصخور هو شقاؤها الأزلي بالبقاء كما هي، والعكس هو أنها تتعرض للاضمحلال البطيء إذ تمارس عليها الريح فن التعرية والعراء، تعوي عليها وتخلخل مستميتة مساماتها، وتضغطها فتخلع عنها صلابتها وعنادها، أما الزمن فهو كفيل بكسائها بثوب من السنوات لا يفنى.

(10)

الصخرة الوحيدة الباقية فوق الطريق إلى البعيد، تجيد حفظ أسرار المارين والعابرين من الناكدين على الحياة والحانقين ببلاء مسافة المسير، هدب الغسق لا يلومها، أزمة قنديل البحر، ارتخاء جسد الصخرة، نسيج طريق السفر وحياكة الحبكة الرملية، انطباق الضيق على الغريق في وسط الطريقِ، كلها حكايات غير مكتملة لنبض الصخرة ذاتها.

(11)

حين تضغط بفأس فولاذي على الصخرة تجلب لها التفتت والضيق، وهو يماثل طرق الحديد حال ذوبانه، فتراه مهزوزًا،  وسندان الطرق لا يكتفي بكسر كرام الحديدِ، بل بتفتيته وجعله ضعيفًا وأعمى، يهترئ العمر لما تكثر جراح القلب، ينكمش الطالع بظهر المستثنى، ويتمدد المطلوع حال شعوره بالإغماء، وهكذا فإن حال العمرِ مشابهٌ لطرق الحديد، ذاك تضغطه النار فتصهره، وهذا تلتف من حوله النكبات والمصائب فتهلكه تنتقص من مجرياته وتجلب له الفناء.

(12)

البرق والبوق ونداء الجبل، أودية العذاب، حلم في ثنايا حلم، حاضرة البحر وطفولية الشقاء

//أنظر لقد شيد الموت لنفسه عرشًا
في مدينة غريبة منفردة بعيد في ثنايا الغرب المعتم
حيث ولى الخير والشرير والمحسن والمسيء
كل إلى مثواه الأبدي//

الكمدة بالرمدة مسيرة من الخرافة المحلية، وكذا هي قصص الرعب وعزلة الأحزان عند بو، وما بينهما تضيع أحاجي سماوية وتفور حكايات ملتهبة، وكأنك تشتم رائحة الموت في كل بقعة ومكان وأنت تقرأ بلا وعي ولا تكاد تتوقف إلا لمعرفتكْ بضرورة المواصلة، وهو ما تدعو له منهجية الكمدة بالرمدة، حيث لا يصح إلا علاج الشيء بذات الشيء ليتم الشفاء المرغوب.

تعليقات الفيسبوك

‫شاهد أيضًا‬

ماركس الصحفي

مقابلة بواسطة : ستيفن شيرمان مع الصحفي جيمس ليدبيتر.  لقراءة المقابلة الأصلية (هنا)  اقتصا…