هيثم

وصرختْ: مَنْ يغازل الوطن في عيون طفلتي..؟

قالوا لها: ذلك المقاتل..

صرختْ ثانية: لا مقاتل يستطيع ذلك..

المقاتل يغازل طلقة ورصاصاً فقط..

ثم دخلتْ مرسمها، ترسم طفلتها وهي باكية، تصورتْ غضب طفلتها من المقاتل الذي غازلها، وقال لها: هل تتزوجي رجلاً مثلي، فضحكتْ الطفلة بعينيها وقالت: لكني لا أحب صوت الرصاص..

وهي ترسم طفلتها، تذكرت زوجها الذي ذهب ولم يرجع، وكل الرجال هناك لا يرجعون..

توقفتْ عند دمعات طفلتها، هي ترسمها كنهر من دماء أم ترسمها كنهر من فجيعة، وفي حيرتها تدخل عليها طفلتها قائلة: كأني أنا في هذه اللوحة..

سألتها لماذا: كأنكِ أنتِ..؟

قالت: كل طفلة هنا غضبتْ من ذلك المقاتل، يريد الزواج بنا وهو يقتل أهلنا..

غرقتْ ألوان أمها وهي في يدها بدمعات رامزة، عارفة بأن كل مقاتل يستطيع فعل كل شيء..

تناولت طفلتها الألوان، ثم أكملتْ اللوحة وأمها جالسة قربها تراقب نهر دمعاتها، وتضع يدها عليه، تحركها بشغف كأنها طفلة تلعب على نهر حقيقي..

الطفلة رسمتْ نفسها، باكية أكثر، وقالت هي ترسم: تعرفين يا أمي، سأغرق نفسي في الدموع، ليعرف كل من يراني هنا أنني لم أعرف غير البكاء، لكني محتارة، كيف سيعرفون أنني غاضبة من مقاتل قال إنه يريد الزواج بي، كيف يعرفون ذلك، هل هناك فكرة لأرسمها مع نفسي هنا، أمها غارقة في نهر دمعاتها، تسمع ولا تكاد تجد روحاً ترد بها على طفلتها، ثم طفلتها تهمس لها: كيف يا أمي، وفجأة: تصرخْ وجدت الفكرة، سأحمل دمعاتك وأرسمها هنا وأكتب هذه دمعات أمي حزناً وقهراً..

الأم، لم تكن تسمع طفلتها، ولم تكن تحس بأن طفلتها تحمل كل مرة دمعة من دمعاتها وتضعها في اللوحة وتكتب عليها: دمعة من أمي، حزناً على بيتنا، وهذه حزناً على أبي، وتلك وجعاً من قهر المقاتلين، وهذه الدمعة خوفاً من الذي سيأتي، هي في كل مرة تقول لنا، بأن المقاتلين يوماً ما سيحرقون بيتنا ويحرقون كل شيء..

وكل ما أخذت دمعة، كانت الأم تنهال أكثر بوجع جديد، والطفلة لا تكف عن حمل دمعات أمها، ثم وضعها على اللوحة، ومع اقتراب غرق اللوحة، تدفق النهر من اللوحة، فياضاً، كأن الدمعات أصبحتْ غيمة ثم سرى النهر كأنه أغنية بدمعات، أغنية حسيرة وكسيفة تريد قول كل شيء، وهل لا تستطيع فعل شيء، النهر يخرج من غرقتهما، باتجاه الغابة هناك حيث المقاتلين، نهر يمضي بطريق محدد، كأن فيه عقل وقلب ويعرف ماذا يريد أن يفعل، وعند طرف الغابة، توقف النهر، هل أصابه خوف، أم أنه يريد أن يسمع، ماذا يقول المقاتلون، كانوا يتحدثون عن أنهر من دماء غرقتْ فيها قرية هناك، لكن يا ترى، لماذا تحس باستمتاعهم بذلك، هل الدماء هي حبهم، ربما، حديثهم يوحي بذلك، لماذا هم كذلك..

تعِب النهر كثيراً وهو يسمع ذلك، هل يدخل الغابة ليتحدث معهم، أم يرجع ثانية هناك، أم يمضي لبلد ليس فيه نهر من دماء وآخر من فجيعة، وفي أثناء ذلك، تدفقت مياهه الأدمع نحو الغابة، ووصلتْ للمقاتلين، وبدهشة كثيفة، يقول أحدهم: تدفق النهر علينا، شرب قليلاً، ثم صاح بأعلى صوته : نهرٌ مالح، نهرٌ مالح، نهرٌ مالح..

تدفق عليه المقاتلون، يشربون بلهفة، ليكتشفوا، كيف يكون النهر مالحاً، وأخذوا يتناقشون، من أين أتي، وكيف تدفق نحو الغابة، ولماذا هذه الغابة بالذات، هل هي مؤامرة علينا، هل هو الموت القادم، ربما، لابد أن نعرف ذلك..

الطفلة خرجتْ وراء النهر، وقفتْ على جانب خفي منه، تسمع المقاتلين، وترى قلقهم، سمعت كل شيء، ثم قالت لنفسها، هل لوقلت لهم إن هذا النهر من دموع أمي حزناً وقهراً منهم سيرحلون بعيداً عنا، أم أنهم سيواصلون في القتال وربما كان النهر القادم من دموعي أنا..

من دموعي أنا..

من دموعي أنا..

كانت تلك العبارة هي ختام العرض المسرحي الذي كتبته الطفلة (س) وقامتْ بأدائه تمثيلياً لوحدها، قلنا، يا لجمال فكرتها، ويا لرؤيتها الجميلة ويا لروعة مزجها بين الدموع واللوحة والنهر، وفكرنا كثيراً، من أين لها بهذا العمق الحقيقي، فهماً وادراكاً لفلسفة قتال ومقاتلين وحرب، ثم فلسفة نهر من الدموع، أحدنا قال: إن الحرب أفصح ما فيها أن تُعلِم فلسفة جديدة من الجمال، يصنعها الخوف، أجمل اللوحات من الذين هم تحت الرصاص، وأروع الحرف يأتي من قلم بين قهر وفجيعة وتحت رصاص يتحرك بمداده، وتلك الأغنية صوتها صوت يهزمه الرصاص لكنه صوت جمال يبحث عن نهاية للرصاص، الحرب وحدها تضع قيمة ذلك الفن الانساني المصنوع من الخوف، لكن كل الذين يكونون في ذلك، لن يستطيعوا فعل ذلك بعيداً عن الحرب، نهاية الحرب هي الراحة الكاملة، لكنها في نفس الوقت هي نهاية ابداع الذين هم تحت قهرها، هل نصنع لهم حرباً جديدة، أم نتركهم هكذا، قيمة ابداعية لا تعرف كيف تبدع إلا مع الحرب..

تباً للحرب، وهي تصنع ذلك، تباً لها وهي تصيغ قيمة ابداع خاصة بها، تباً لها وهي تضع كل الوطن في دائرة من خوف يصنع الابداع المتجلي، فإن ذهب الخوف، ذهب الابداع..

نحن بحاجة لمناقشة ذلك، هل من وجهة نظر نفسية يمكن أن تحاصر الحرب العقل الإبداعي، لتجعله مبدعاً مع صوتها، رافضاً لها لكنه لن يستطيع فعل محمل ابداعي بلا وجود لها وظلال قهرها ودمائها..

الحرب نبغضها لأنها كذلك، حتى عندما تنتهي، تضع نفسها في عقولنا ووجداننا، ثم نكون أولادها وبناتها..

أتخيل أن الحرب تعرف ذلك بعمق، ولذلك عندما ترحل من مكان ما، تضع الخوف خلفها ليرسم ويكتب ويغني، ثم يصرخ على خشبة المسرح: أين الحرب، أين فجيعتها لنكتب عنها مسرحياتنا وغناءنا ونرسم لوحاتنا..

تلك هي الحرب، عقولنا معها حتى وهي بعيدة عنا، فالحرب عندما تدخل وطناُ ما، سيكتب الوطن (إن الحرب جميلة، في كونها تحاصرنا، ثم نرفضها بابداعنا)

لكن التأريخ سيكتب أيضاً: الحرب ليست جميلة لأنها تحاصرنا حتى وهي غائبة..

هنا المحاصرة الحقيقة، أن تكون الحرب فينا، صرخة عميقة لا تتوقف حتى إن ذهبت بعيداً عنا، الحرب صعوبتها في كونها تضع في قلب الذين غرقوا في دمائها أنها قريبة لن تذهب بعيداً، كونوا في انتظاري، تضع تياراً تخيلياً كاملاً حولها، ليقول هي هنا، هي هنا..

الحرب قهرها في كونها تضع كل عقل تحت أياديها، تحركه كيف تشاء، هي وإن هدأت لحظة واحدة، الحرب تصنع عقول الخوف من الحرب، وتلك هي العقول التي تكتب خائفة، ترسم خائفة، تغني خائفة، تقف على المسرح خائفة، ثم تخرج على الدنيا خائفة..

خائفة بحق..

تعليقات الفيسبوك

‫شاهد أيضًا‬

رواندا: الحلمٌ تحقق .. فالنحذوا حذوه

القيمة الكتابية الجميلة التي ينثرها الصحافي موسى حامد عن رحلته لدولة رواندا، ظني أنها مشرو…