1 (1)

سانديوس كودي :

للتواصل مع صفحة الكاتب على الفيسبوك الرجاء إضغط هنا

**

كنت يا صديقتي قد سألتني عن أكثر ما يثير قلقي في حياتي القصيرة التي تقترب سنواتها رويداً من الثلاثين، حينها لم أحتج أن أقلب كثيراً صفحات دفاتر مواجعي لأختار ذلك الحلم الذي بدأ منذ أن كنت أكبر من الخامسة بقليل من عمري، حين سمعت أمي صوت الرصاص وحملتنا لنحتمي بالجبال، وتلك كانت تجربة الاقتلاع الأولى، اقتلاعنا من أرضنا وبيتنا وأغنامنا وجنائننا وطفولتنا، من كل حياتنا، ويكفي- يا صديقتي – أن يواجه المرء تجربة الإقتلاع الأولى حتى يصبح مقتلعاً من “هناك ” و إلى الأبد، الأمر يشبه أن تزل قدمك عن درجة واحدة من السلم العالي حتى تكمل النزول إلى منتهاه…

الأمر أيضاً يشبه أن ينكسر في يد السائق مقود السيارة، كل سيرها بعد ذلك يصبح ارتجالاً وعلى غير هدى أو كما يقول مريد البرغوثي في رأيت رام الله، إنه يا صديقتي حلم العودة.

لطالما تساءلت، ما الذي يجعلنا نحلم دوماً بالعودة إلى المكان الذي أجبرنا على مغادرته؟ ما الذي يجعل العديد من المهاجرين قسراً يرفضون شراء قطع سكنية بالعاصمة تشبثاً بحلم العودة إلى “البلد” إلى أن ينتهي بهم المقام وهم يقطنون في أطراف بعيدة من العاصمة تخلو من أبسط الخدمات؟ أو كما يتم تداوله في مأثور الحكي السوداني، ما الذي جعل عوليس في الأوديسة يفارق حياة حلوة مع كاليبسو ويخاطر بالعودة إلى موطنه؟ .

يسمي كونديرا ذلك الحنين بألم الجهل، بلدي بعيد ولا أعرف عنه شيئاً. وفي محاولتي لإيجاد إجابة أتذكر قول الشاعر قسطنطين كافافيس عن الرحيل: ” أنك لو رحلت عن مدينة، فإنها ستتبعك، فلا تتطلع إلى شيء في مكان آخر، فطالما خربت حياتك هنا في هذا الركن الصغير فقد دمرتها في كل مكان بالعالم“.

وتذكرت قولك لي في ذات محادثة لنا :” إن الحنين إلى الأرض لأسوأ من الحنين إلى الأشخاص، فالحنين للأشخاص – كما قلتِ – أقل وطأة ليقيننا بالموت، أما الارتباط بالمكان فلا مفر منه، فالمكان يبقى ماثلاً أمامك كلما غادرته، وكلما عدت إليه داهمتك الذكريات“.

ما حدث صديقتي منذ تجربة الاقتلاع الأولى تلك أنني أصبحت مقتلعاً وإلى الأبد، وأن الرصاصة التي خربت حياتي هناك حينها هي ذاتها من خربته في أي مكان آخر في العالم.

كنت يا صديقتي أحسد أصدقاء دراستي الجامعية حين يلملمون حقائبهم عند نهاية كل عام دراسي ويغادرون كل إلى قريته غرسلي – سنار، أم جكو- النهود، حفير مشو- دنقلا، الشرفة بركات – الجزيرة … الخ وأبقى أنا وحيداً في غربتي الإجبارية في الخرطوم،لا قرية أذهب إليها ولا قطارات أركبها ولا طرق طويلة أمر بها، مجرد حلم قديم أسافر فيه بخيالاتي كلما اشتد الحنين، حلم يكبر كل يوم بقدر ما يتضاءل، أذكر يا صديقتي أنني وفي السنة الأخيرة من مرحلة دراستي الجامعية أتيحت لي فرصة زيارة عبري حاضرة منطقتي، حينها كان فرقاء الحرب قد اتفقوا على هدنة ووقف لإطلاق النار، عبري حيث المدرسة العريقة والمستشفى والكنيسة العتيقة، كنت أحتفظ لها بصورة في ذاكرتي، ذاكرة أول إبرة تم غرزها في جلدي حين حملني شقيقي الأكبر على ظهر حمار مستشفياً إليها، لم أفكر يا صديقتي الجميلة أن أزور قريتي الصغيرة مكان مولدي “كيلي” رغم أن الزمن كان متاحاً للزيارة، لم أعلم لماذا تهيبت حينها الزيارة ولكنني أوقن الآن بأنه كان خوفاً، خوف من أن ينتهي الحلم بخيبة كبيرة، فضلت يا صديقتي أن تبقى العودة حلماً نغنيه، نكتبه شعراً ونثراً، نتجول به في فضاءات الخيال، فضلت أن أظل غريباً والغريب يا صديقتي لا يعود أبداً، وكما يقول مريد ذاته في نفس الكتاب

لا غائب يعود كاملاً ولا شيء يستعاد كما هو“.

الحرب يا صديقتي أول ما تسرق فإنها تسرق منا السلام، السلام الذي هو في أرواح أقربائنا الذين زينوا طبق وجبة الحرب بالموت، السلام الذي هو في مزارعنا ومواشينا، حكاوي جداتنا، ألعابنا المصنوعة من الطين والخشب، طفولتنا، ببساطة أنها تسرق كل شيء، حتى نحن يا صديقتي تسرقنا وتجعلنا غرباء حتى عن أنفسنا بحيث لا يمكننا أن نعود، فلا غائب يعود كاملاً. فحتى لو عدت بعد زمان فستظل غريباً، ستنكرك المدينة التي غادرتها.

العودة يا صديقتي ليست مكاناً فقط هي زمان أيضاً، وقد نعود للمكان ولكن هل يعود الزمان؟ هي نستطيع ردم الهوة الزمانية بين لحظة المغادرة ولحظة العودة؟ بل حتى المكان قد ينكرنا، الأشخاص قد لا يعرفوننا بعد زمان من الإغتراب، وأذكر يا صديقتي أنه في زيارتنا التي أخبرتك عنها قبلاً أن فتاة من اللائي رافقننا في الرحلة، فتاة من المتغربات في العاصمة والتي يبين على شكلها بعض من آثار تغربها من ابيضاض للبشرة، وتوصيل لخصائل الشعر حتى يبلغ مكاناً بعيداً في الظهر وهو في طبيعته لا يجتاز السنتمترات الأولى من العنق، الفتاة يا صديقتي أرادت أن تسأل أطفالاً صغاراً من الذين ولدوا هناك ولم يغادروا عن طفل آخر يقربها، نادت طفلاً ثم قالت له ببعض ما احتفظت به من لغتنا

” كودي كوذي الأمين كويري قشيش كويندي؟

الطفل الصغير وقف مشدوهاً لثوان ثم أسرع ناحية أقرانه يناديهم

” اشر تي تذقو تيمانداشي قريريا”

الطفل كان يدعوهم ليروا أعجوبة ” العربية التي تتكلم لغة الكواليب”، ففي ذات موقف ولحظة اكتشفت الفتاة كم هي غريبة رغم تحقيقها لحلم عودتها لمكان مولدها لأول مرة، وكما قلت لك صديقتي، فالأمر لا يتعلق بالمكان ولا بالزمان حتى.

أذكر يا صديقتي أنك قلتِ لي ذات مرة أن الإنسان ليحتار حين تكون أشياء سيئة حدثت له سبباً في حدوث أشياء جميلة أخرى، حالة الاكتئاب مثلاً التي جعلتك تدمنين مواقع التواصل الاجتماعي حيث التقينا، بالأحرى حيث تعارفنا، حيث تلمسنا أول خطوط صداقتنا، كان التساؤل حينها هل نشكر تلك الأشياء السيئة التي كانت هي سبب وصولنا إلى ما هو جميل، أم نظل نذمها؟ .

تذكرت أنا الحرب التي لولاها لما جئت إلى العاصمة حيث تعلمت وتعرفت على ما لم أكن سأعرفه لو بقيت هناك في قريتي، لم أكن لأتعرف عليك صديقتي الجميلة، فهل أشكًر الحرب ؟

هل أفعل مثل ما فعلت بخيتة أول راهبة سوداء في الفاتيكان التي تم اختطافها من إحدى قرى دارفور قبل أكثر من مئة عام وبيعت في إحدى أسواق الرقيق بأمدرمان ليتم تناقلها بين الأسياد إلى أن امتلكتها أسرة إيطالية وسافرت بها إلى روما ومن ثم تم تحريرها لتلتحق بمدرسة الراهبات، الراهبة حين سئلت عما ستفعله إذا التقت بمن سرقوها من أسرتها وبيتها ومن حياتها ردت ببساطة أنها ستشكرهم، لأنه لولاهم لما وصلت إلى هناك، ربما نحتاج لنقاء الراهبات لنشكر بعض من تسببوا في أذى أبدي لنا.

العودة – يا صديقتي – ليست إلا تحفيزاً لتدفق سيل جارف من الذكريات، مؤلمة في الأغلب، حتى الذكريات الجميلة تؤلمنا حين نحنّ إليها، أذكر أني التقيت في عبري بصديق طفولتي هابيل – طفولتي التي لم تكتمل – تذكرنا كيف أننا أحرقنا ذات يوم قطيتنا بكل ما فيها من محتويات، كنا نحاول إنضاج بيضات التقطناها خلسة من أسفل دجاجة حين لم يكن أحد بالمنزل، كنا نجلب القش من حظيرة الأغنام ونضعها في النار فتشتعل وتشتعل إلى أن لامس لهبها سقف الراكوبة الملحقة بالقطية لتحترق، تذكرنا كيف أن المصلين بعد أيام من فعلتنا السوداء تلك تجمعوا في بيتنا بعد صلاة الأحد ليرفعوا سقفاً جديداً فوق القطية، و أنا في طريقي إلى عبري تداعت إلى ذاكرتي صورة شيخ ستيني كنا قد التقيناه في ليلة ممطرة من ليالي هروبنا، كنت قد سألت أمي يوماً عن الشيخ الذي التقيناه في طريقنا ، قالت أمي حينها أن موقف الشيخ الذي كان عائداً إلى حيث ما كنا قد هربنا منه باحثاً عن أبنائه الصغار قد ولد في داخلها حينها أكبر إحساس بالعجز يمكن أن تحسه، فلا أحد استطاع أن يعود معه ولا أحد تجرأ بمحاولة إقناعه بالذهاب معنا وترك أبنائه، أمي كانت تحاول أن تصف إحدى لحظات الصدمة الانفعالية التي تمر بالشخص حين يتوقف عاجزاً عن التصرف في موقف عاطفي، حين تنهزم العواطف أمام المواقف.

في رحلة أخرى إلى كادقلي توقف بي الباص في محطة جميلة “الكرقل” حيث النباتات المخضرة تزين قمم الجبال لتشكل لوحة طبيعية بديعة، من النافذة وقعت عيناي على شجرة مخضرة وكثيفة الأوراق أظنها عرديبة، صورة العرديبة تلك تسللت عميقاً إلى قاع ذاكرتي، إنها ذاتها حيث وضعتني أمي أنا وشقيقتي الصغرى مع حبات بليلة في صحن بلاستيكي حينما كانت الكرقل نقطة تفتيش عسكرية، سألت أمي حين عودتي عن الكرقل والشجرة، فتفتقت بتلات زهرة ذكرياتها الشائكة المؤلمة عن نقطة التفتيش، حيث العسكري الذي كان يحمل سوطاً ويسأل الهاربين والنازحين عن أماكن اختباء المتمردين، المتمردين الذين هم أزاوج و إخوان و آباء النازحين، كان سوطه يلهب ظهر كل من يتردد في الإجابة، كل من يتلعثم ولو كان سبعينياً لا يفهم العربية، قالت أمي أنها حينها أغمضت عينيها وصلّت للمسيح، وحين جاء دورها أمرها العسكري بالنزول دون أن يسألها، إنه الإيمان يا أمي، ثم تذكرت أمي الرجال الخمس الوحيدين الذين رافقوا مئات النساء والأطفال والمسنين، قالت أنهم أخذوهم ولم يعودوا بعدها، لم يعودوا حتى الآن.

العودة الآن صديقتي هي مجرد حالة قلق لن تنتهي حتى بالرجوع إلى حيث المولد، حالة تأرجح بين الحلم الجميل والواقع المرير، ربما ستتوقف الحرب يوماً و أعود مثقلاً بأحلامي ولكنني حينها سأكون مثل سعيد بطل رواية عائد إلي حيفا التي كتبها غسان كنفاني، سعيد الذي ترك حيفا ذات غارة وجد فرصة ليعود إليها بعد عشرين عاماً باحثاً عن الوطن، عن بيته، ابنه الذي تركه رضيعاً، ورغم أنه وجد كل ما كان يبحث عنه إلا أنه لم يجد روح تلك الأشياء، الإبن كان قد تحول للجانب الآخر، تربى في الكنيس اليهودي و أكل الكوشير ودرس العبرية بل انضم لجيش الطرف الآخر، قال لأبويه ” إن الإنسان هو القضية” ، هو ابنهم الذي حلموا بملاقاته في العودة ولكنه كان يحمل قضية أخرى، كان يسألهم :

” كيف يستطيع الأم والأب أن يتركا ابنهما وهو في شهره الخامس ويهربان؟”

الصدمة جعلت الأب يتساءل عن ماهية الوطن، هل هو البيت؟ المقعدان اللذان ظلا في الغرفة لعشرين عاماً؟ الطاولة؟ ريش الطاؤوس ؟ صورة القدس على الجدار؟ إبننا خلدون و أوهامنا عنه؟

لم يكتف الإبن بل كان يقول لهم ” كان عليكم ألا تخرجوا و إذا لم يمكن ذلك فقد كان يمكنكم بأي ثمن ألا تتركوا طفلاً رضيعاً في السرير، وإذا كان هذا مستحيلاً فقد كان عليكم أن تكفوا عن العودة، أتقولون أن ذلك أيضا كان مستحيلاً ؟

فهل يجب أن نكف عن حلم العودة صديقتي ؟ بعد أن خرجنا قسراً، بعد أن لم نستطع حمل ذكريات طفولتنا معنا؟

هل يجب أن نتساءل كما سعيد عن ماهية الموطن الذي نحنّ إليه، هل هو في أطلال بيتنا الذي هجرناه منذ خمس وعشرين عاماً، شجرتا المانجو اللتان تبقتا من جنينتنا – كما قيل لنا – والتي كانت تحتوي على صنوف من أشجار الفاكهة، بقايا عظام الكلاب والأغنام والأبقار والإنسان؟

ثم من أين سنستعيد طفولتنا لو عدنا لموطننا؟ لحظاتنا السعيدة التي كنا سنعيشها لو لم نرحل ؟

رحلات صيد الأرانب والفئران، الرعي بالأغنام، رقصات الكرنق التي تلي نجاح الحصاد، كلها كيف سنعيشها مرة أخرى؟ بل كيف سنتخلص من ثقل خمس وعشرين عاماً عشناها في غربة عن أنفسنا؟

سعيد العائد وجد منزله ولم يجد بيته، وجد الأرض ولم يجد الوطن، وجد الولد ولم يجد الابن، تبعثر حلم العودة، حلم عشرين عاماً بين قدميه في لحظة، في حسرة يلتفت سعيد ناحية زوجته ليقول :

أتعرفين ما هو الوطن يا صفية ؟

الوطن هو ألا يحدث كل هذا .

والآن يا صديقتي الجميلة، أتعرفين ما هي العودة ؟

تعليقات الفيسبوك

اترك تعليقاً

‫شاهد أيضًا‬

من الغبي الذي سيفوز بنوبل ؟

ماذا إن رن هاتفك وتم إبلاغك أنك فزت بجائزة نوبل؟ بالتأكيد هو أمر بعيد عن الاحتمال. كل عام …