17665173

حسين إدريساي :

للتواصل مع صفحة الكاتب على الفيسبوك الرجاء إضغط  هنا

**

بيدي الآن تتأرجح قصاصة يتيمة وغلاف مهترئ لتحفة ألكسندر دوماس الخالدة ( الكونت دي مونت كريستو ) أو ( أمير الانتقام ) كما يحلو لعشاقه تسميته ..

أعود إلى الوراء خمسة عشر سنة للتنقيب في ذاكرتي ..وأتخيلني ( إدموند دانتيس ) شاباً مفعماً بالحيوية وآمال الصبا العذاب ..ورباناً واعداً على سطح الباخرة الظافرة ( فرعون ) العائدة إلى باريس عاصمة النور والجمال والمجد والتي تزفها حيتان أشواقي العتيدة بلا كلل أو ملل ..مبللاً بالخواطر الندية ..تحملني نوارس الفرح على جناحيها عالياً وتوشوش الريح في أذني بالأمنيات وتهدهد بالأغنيات ..

فأغمغم كالحالم :

– عزيزتي (مرسيدس) يا حبيبة العمر ويا تاج القلب وياقوته ومرجانه ..ألا تزالين على العهد والوفاء ؟

– أبي ( لويس دانتيس ) الطيب ..سلام عليك في طهرك الأبدي وأنت تعانق الغيم وتمدني باليقين ..

ألا زلت تقرأ الشعر والنكات ؟ ألم يؤنس ( كادروس ) وحشتك ؟ أتمناك صحيحاً معافاً بشوشاً كما أنت دائماً ..

وبعد رجاء ودعاء رست سفينتي ،أرض أحلامي ومشتهى آمالي وصافحت رئيسي ( موريل ) مغتبطاً ،ركضت في نواحي العاصمة كالمجنون ..

منزلي العتيق كم أحبك !..قبلت رأس أبي واحتضنته ..مستمداً الدفء والنقاء والبركات ، وإلى دار ( مرسيدس ) الحسناء ..طرت كسرب حمام بسرعة الضوء ..نثرت حبات قلبي حبة حبة ..أمام بابها وطفقت لاهثا أنتظر ..

وأنتظر ..

وأنتظر ..

وما بالربع من أحد !

ثم أقبلت بتلك الأناقة التي تحرك القلوب ..

رقيقة كالحلم ..

شفيفة كالفجر ..

جميلة كالحياة ..

– غدا يا أميرتي ..

– غدا يا فارسي ..

وأتى الغد متغنجاً ..يجر ساقاً ويؤخر أخرى ..وفي القصر كان كل شيء معداً للاحتفال ..

أسير حالماً بجوار أميرتي ..

أبداً ..

لا ملك متوج ..ولا نجمة سارية ..ولا نخلة سامقة ..توازي بهجتي وحظي ..

لم يبدو وجه ( فرناند مونديغو ) متجهماً كسماء ملبدة ؟

ولم يرتجف ( دانجلر ) كورقة مبللة ؟

ما لذي يحدث ؟

شهقت النساء ..وانهمرت الدموع ..وضعت الأغلال في يدي وعنقي ..منكساً رأسي ساقوني خارجاً ..كظل مطعون بخمس خناجر ..نحرت أحلامي غيلة ..وشيعتني ابتسامات ( مونديغو ) الشامتة ..و قهقهات ( دانجلر ) الظافرة .. ونظرات ( مرسيدس ) الشاحبة ..و كان الذنب يلوح في الوجوه كوصمة عار بأصابعه الخمسة ..متهماً بالخيانة العظمى حاكمني ( فيلفور ) بخمس عشرة عاماً بلا رحمة ..وفي سجن ( الشاتو ديف ) الرهيب ..قرأت على أشلاء أمنياتي السلام ..وشيئاً فشيئاً راح نقاب الغفلة ينحسر عن قلبي ..وعرفت أنني كنت ساذجاً وضريراً حد الشفقة ..وأنني رحت ضحية رغبات مسعورة ..المكر ..الخداع ..والحقد الأسود ..

عندها نشجت كثيراً..وابتهلت كثيراً ..ثم ارتد إلي نحيبي خاسئاً وهو حسير ..كعواء كلب عضه الأذى في أعماق بئر بارد ..ومن أعماق قلب داسه الألم ..وأريقت دماؤه ظلما ..نبت الشوك ..وتأججت نيران الكراهية ..وحكمت حكماً مريعاً ..فكان الانتقام ليس منهم فقط ..وإنما من الحياة بأسرها !

على الهامش ..أذكر أنني قرأتها كاملة دون توقف ..فحجم الألم فيها لا يمكن تقسيمه أو تجزئته ! هم نثروا الملح فوق جراحه دون رحمه ..! فتحول لبركان لا يخمد ..! وكانت الخيانة ألم لا ينتسى ..!

قاموا بمصادرة أحلامه بلا رحمة ..وتقسيمها عليهم دون إذن ..ورغم هذا جعلت الخيانة منه أقوى وأذكى وأدهى ..( إدموند دانتس ) دخل السجن ليخرج منه ( الكونت دي مونت كريستو ) ونصب نفسه آلهة للانتقام المطلق ..بدأ بنفسه أولا ..فانتقم من الجهل والضعف والسذاجة ..وانتهى بهم ..فلا أصدقاء يخونون ..ولا حبيبة تهجر وتتناسى ..ولا قاض يظلم ..وبطريقته الخاصة قام بوأد أحلامهم واحدة تلو الأخرى بلا رحمة !

ويبقى السؤال يا رفاق ..كم كونت مونت كريستو بيننا اليوم تعرضت روحه للامتهان وظلت ظامئة للانتقام ؟ لا أخفيكم سراً أنني صفعت على قفاي مراراً ..وتورمت شفتي السفلى كثيراً جراء عضها ..وفقدت رأسي في أحايين متفرقة .. تعرضت للنصب والاحتيال ..وسقطت فريسة للثقة الزائدة …لكن لا يمكنني تخيل نفسي ممعنا في الانتقام ممن أرادوا بي سوءً فأغدو آلة صماء لا روح فيها ..يخفق بين جنبتيها قلب صدئ يضطرب كجيفة شرهة وسط ماء آسن ..

أبدا !

أعتقد أن أفضل طريقة للانتقام من الأعادي ورد كيدهم ..هي معاقبتهم بالإحسان والصفح عنهم عوضاً عن التردي إلى مستنقعاتهم القذرة ..فلا شيء يغيظهم أكثر من ذلك ..وليس ذاك بضعف ومنقصة ..بل هو فضيلة ومكرمة ..والشديد من يملك نفسه عند الغضب ..

خلاصة القول ..أعتقد أنني سوف أتشبث بإنسانيتي جيداً غير آبه بالنتائج ..وأعض عليها بالنواجذ والأضراس .. وسأهدي عذاب الضمير ..ومقصلة الأرق ..إلى كل أعدائي ..

تعليقات الفيسبوك

اترك تعليقاً

‫شاهد أيضًا‬

قراءة نقدية لرواية خرائط

بقلم: فائز حسن   عن الكاتب: نور الدين فارح كاتب وروائي صومالي يكتب بالإنجليزية ولد في…