yp19-05-2016-891341

رانيا محيي الدين:

rania2016mahiuddin@gmail.com

**

جهاز آلي مستطيل مؤطر بإطار معدني أسود لامع و لوح زجاجي صافي يلمع الصورة في عين الرائي إليه . و من أعلى السطح يقف اللاقط منتصباً ليلتقط الإشارات المرسلة من المحطات التلفزيونية الرئيسية ليحولها إلى صورة عالية الدقة و صوت جهور . و في الأسفل يجلس شخص بارتياح تام على الكنبة الواقعة أمام جهاز التلفاز ليزور الجهات الأربعة الأصلية منها و الفرعية بكبسة زر واحدة .

من المتعارف أن شهر رمضان يأتي ليعيد المسلم إلى فطرته الحقيقية التي خلق من أجلها من خلال ممارسة العبادة و الطاعات , ففيه تتطهر روحه من ملوثات الدنيا لتصبح نقية و خالية من الشوائب و الذنوب , و هو فرصة ليفكر بحياة الآخرة التي ينشغل عنها خلال شهور العام بأعماله و ملاهي الحياة . لكنه , صار الآن شهراً لمجاورة التلفاز الذي ينشر ما تعمي العين و تشغل القلب عن طقوس رمضان من أعمال فنية و عروض درامية مثيرة و برامج مسابقات و تسلية ليست لها أهداف حقيقية و كأن شهر رمضان لا يكتمل أو لا تتضح صورته دونها , و لأن بات تعلق الناس بذلك الجهاز واضحاً في هذا الشهر بالتحديد فبدأت أصحاب شركات الإنتاج بالسعي وراء توقيع العقود مع العاملين و تصوير المشاهد لإنتاج أعمال تلفزيونية ضخمة حتى تصبح محور حديث المشاهدين و المتحدثين الفنيين و لتكسب المراتب المتقدمة عند ترشيحها للجوائز الفنية القيمة و أما القنوات فتتسارع للفوز بالعرض الأول و الحصري لتستقطب أعلى نسبة مشاهدة .

بث حي و مباشر على مدار الساعة و الفئة المشاهدِة تتشوق لمتابعة العروض المتأرجحة بين السياسية و الفكاهية و الاجتماعية و تنتقل من قناة إلى أخرى عند رأس كل ساعة ؛ فمتابعة عرض واحد لا تكفي لأنها تعتقد أن لباقي العروض مضمون مهم و خطط في تنويع تقنيات العرض و أساليب الإنتاج . و لكن ما هو ظاهر للعيان أن تلك العروض تمتلك قوة مغناطيسية هائلة في جذب المشاهد حتى تشل أعضاءه و تخر قواه كلما أراد أن يقوم بوظيفة ما .

قد يثني البعض عليها لأنها تناقش قضايا المجتمعات و المشاكل اليومية و تقدم الاقتراحات في كيفية حلها و أيضاً تجعل المشاهد يكسب معلومات جديدة كالأعمال الوثائقية و التاريخية مثلاً إن كانتا متواجدتان في القائمة إلا أنها بشكل عام تشغل المرء عن واجباته الأساسية و المهمة , فلمَ تتكدس كلها في رمضان و حده بينما الناس يتوقون لمشاهدة عرض شيق في فترة الإجازات و لا يجدون ما هو بجديد و ممتع !.

إن بالإمكان تأجيل مشاهدة العروض التلفزيونية التي قد تروق للمرء و تنفعه إلى ما بعد رمضان ؛ لأن رمضان لا يتجاوز التسعة و العشرون أو الثلاثون يوما فلو تم قضاء ليله و نهاره في تقليب القنوات بالانتقال من مسلسل إلى برنامج يستضيف رجال الفن و أبطاله و آخر يعرِّف مشاهديه عن طريقة الاشتراك لمضى رمضان مثلما أتى دون أن تمتلئ المساجد بالمصلين و المعتكفين و الذاكرين و يكون المرء نسي أن يتزود بالزاد الذي ينتفع به في دينه و دنياه . و لا يربح من شهر رمضان إلا أصحاب الصفقات التلفزيونية و العروض التي أُنتجت بجودة عالية لتنال إعجاب النقاد و حكام المسابقات . فهل أصبح شهر رمضان في القرن الواحد و العشرون وكالة دنيوية تنتج الفن و الدراما و ينتفع منه في زيادة الأرصدة البنكية أم أنه ما زال شهر لتلاوة القرآن الكريم و أداء صلاة التراويح و المشاركة في إعداد وجبات إفطار الصائم !.

 

تعليقات الفيسبوك

اترك تعليقاً

‫شاهد أيضًا‬

قراءة نقدية لرواية خرائط

بقلم: فائز حسن   عن الكاتب: نور الدين فارح كاتب وروائي صومالي يكتب بالإنجليزية ولد في…