5aab0ac8b810a3eea4336af06ed3974b

القصة الفائزة بجائزة الطيب صالح للشباب , أبريل 2015م

تأليف : محمد أحمد محمد إسحق

**

سيل من التحذيرات انهمر على رأسه الكبير بعد اتخاذه  قرار مغادرة أرضه، والهروب  إلى العاصمة؛ لاكتساب المعرفة في أحد مراكزها المعرفية ،حُذر من الشماشة والصعاليك  شرّابين البنقو،سفافين الصعوط، بنات الحرام المتبرجات منهن والمحتشمات،الماديين، تجار الدين، السياسة وأركان النقاش، والأولاد الحناكيش منهم والمتحنكشين ، الشلليات والروابط والجمعيات ذات الأغراض المخفية . والشر يطارد الخير كأنه ظله ،ومراكز المعرفة تحمل في طياتها الشر والخير والموت والخلود ، تيارات متضاربة الأفكار ، سلفيون وملحدون ، أفكار تبدأ من عمق الأرض، من نفق الإلحاد المظلم إلى  أفق الإله الرحبة والحقيقة المطلقة ، وفي مراكز المعرفة يصبح الإلحاد موضة أو برستيجا ومصدر فخر ودلالة على رسوخ القدم في الفلسفة، لكن عبد الله خبر الحياة وسبر غورها ،ذاق مرها وحلوها وسقته بكل كاساتها وهو واحد من القلة التي تحتفظ ببقايا من أخلاق الماضي ، يحفظ في قلبه الشهامة والنخوة وحب الخير .

كان يذهب إلى المدرسة صباحاً وبعد عودته مساء يذهب إلى البيارة ليجلب وقود الحياة ، ويعتني بأبقار الأسرة ليلاً ، يجمعها في أماكنها ويعشيها ويأخذ مقابل ذلك ترياقها الأبيض الذي يعتمدون عليه .فهو بمعيار قومه يسمى (رجل كلس وركيزة وشيال التقيلة) ، وحياة المدن أكثر تعقيداً ،وفي سكن الطلاب حيث الازدحام ، ازدحام الطلاب والأوساخ ، صفوف في الحمامات ، روائح متعفنة تهاجم الأنف بعنف  أماكن لا تتمنى زيارتها إطلاقاً؛ لأنها تشعرك بدناءة الإنسان وساكنو ذلك المكان بعضهم لا صلة لهم  بشريحة الطلاب من المكنيكية
 الحدادين ، الكماسرة ، الترزية ، الحلاقين وعاطلين عن العمل . وطلاب تخرجوا منذ العصور الوسطى ولكنهم لم يغادروا ذلك المكان ، ربما تعودوا عليه أو ربما يخافون من مواجهة صعوبات الحياة في الخارج . يقولون لنا قديماً كان في مركز المعرفة هذا مشاريع كثيرة تُثمر ذهباً، أيام المستعمر الظالم لكن عندما جاءت الحكومات الوطنية أكلت هذه المشاريع ، والأم تأكل أطفالها أحياناً بكل حماقة .وفي غرفة بها عدد من السراير ودولابان وتربيزة متهالكة استقر عبد الله مع رفيقيه لؤي وسامر،ولؤي شاب أصفر اللون حسب معيار السودانيين في ألوان البشر ، شعره سبيبي،متوسط القامة، يكاد يسحرك بوسامته ، مثقف أكثر مما كان يتصور عبد الله ، وضعه الاقتصادي الجيد مكّنه من اللحاق بطبقة البرجوازيين في مركز المعرفة، ورواد هذه الطبقة يصبون كل اهتمامهم في المظهر الخارجي للحقيقة ، في قشور المواضيع ، يرتدون أفخم الثياب ، ويغتنون أحدث الهواتف ، ويتربعون في قمة الفشل الأكاديمي،والحق يقال لؤي يختلف عن أفراد هذه الطبقة التي يهاجمها الفشل فهو ناجح بكل المعايير،وما يؤخذ عليه حنكشته الزائدة واهتماماته البناتية ، فهو يعتني ببشرته بطريقة محيرة ، يصرف مبالغ طائلة في شراء المساحيق والكريمات ، يعرف كل شيء عن أنواع البشرة ووقايتها من الشمس وأنواع الزيوت الطبيعية التي تغذي البشرة ويحدثك بكل ثقة عن بشرة الفنانات في أوروبا ومسابقات الجمال للفتيات ومن التي فازت  بالجائزة  ولماذا . وعلى أي حال كان عبد الله معجباً بشخصية لؤي، ويرى أنه يختلف عن زميله سامر ، فسامر قصير القامة ،مفتول العضلات ويهتم بممارسة الرياضة  ، معجب بنفسه لأبعد الحدود ، يعتني بمظهره عناية فائقة ، يحاول أن يبدو متديناً ،لكنه يفسر كل شيء تفسيراً مادياً ، الصداقة ، الحب ، الكرم ، والشجاعة  وحتى علاقة أمه بأبيه يفسرها تفسيراً مادياً، ويرى أن الإنسان في هذه الحياة لابد أن يكون ذكياً، أو خسيساً حتى يحقق أهدافه ، والغاية تبرر الوسيلة، والخسة هي سلاح الضعفاء القوي .عبد الله يومياً يكتشف شيئاً جديداً في سكن الطلاب دون أن يمنح براعة الاختراع ،وأصبح كل يوم يعرف شيئاً عن هذه التناقضات، وأصبح صديقه لؤي يومياً يفقد مبلغاً من المال داخل الغرفة ، إذن فثمة خسيس بينهم ، من هو؟ رائحة الشك تملأ الغرفة ، كأنهم في مركب متهالك . وهناك خائن بينهم لابد أن يعترف حتى يكمل المركب مسيرته ، لابد أن يسلم نفسه للتيار الذي لا يرحم ، ودون مجهود كبير تم القبض على سامر وهو يحاول سرقة الممتلكات من دولاب لؤي ، عندما غادر الجميع الغرفة حاول أن يستغل غيابهم، لكن الكمين كان ناجحاً. وصدمة لؤي لاتصدق، فقد ظن أن هناك من يأتي من الغرف المجاورة ويسطو على الممتلكات ، لكن اللص كان من سكان المنزل ، وأحيانا تأكل الأم أطفالها بكل حماقة . وعبد الله لم يصدق أذنيه عندما سمع الخبر ، كيف يفعل صديقهما سامر هذا، يسرق من الغرفة ؟ لا، هذا أمر عجيب !! بكل استغراب يتساءل عبد الله

ـ لماذا فعلت هذا يا سامر

ـ لالا، أنت لا تسرق يا سامر فأنا أعرفك جيداً.

ـ لابد أنك كنت غير واعٍ عندما فعلت ذلك .

ـ كان يمكن أن تستدين منا بما أنك محتاج فنحن أصدقاؤك .

وسامر لا ينطق ببنت شفة وقد ذاب حياء وخجلاً وظهرت على ملامحه علامات الاضطراب والتوتر . فأحياناً يخجل اللصوص ، ولؤي يسخر من سامر دوماً بعد حادثة السرقة المخجلة ، لكن عبد الله يتعاطف معه  ويقول الفقر أحياناً يفعل أكثر من ذلك .

غادر سامر الغرفة إلى غرفة أخرى في ظروف غامضة بعد أن خان صديقيه وبصق على الإناء الذي كان يأكل منه ،وعبد الله يسأل لؤي باستمرار عن الرحيل المفاجئ لصديق العمر، هل أزعجه أحد ؟ أساء إليه ؟ اتهمه بسرقة أو الخيانة؟ ولؤي يُقسِم ويقول لم يحدث شيء من هذا وإنما سبب مغادرته كان تافهاً لا تنزعج به، واللصوص لايحتاجون أحياناً إلى سبب لمغادرة الغرف كما لا يحتاجون، إلى سبب للمجيء إليها . وداخل كافتريا الطلاب المزدحمة بالأوساخ والزبائن  رائحة العطرون تملأ المكان، التقى عبد الله بسامر وسأله عن سبب الهجرة المفاجئ ، وما ذكره سامر لعبد الله كان لا يمكن تصديقه بسهولة ، تحدث سامر بشموخ وكبرياء وعزة نفس

 صديقك لؤي هو وراء مغادرتي الغرفة .

نعم أنا أناني وجشع وأفكر في مصالحي لكن صديقك لؤي أبشع مني سلوكاً والطلب الذي طلبه مني عندما كنا وحدنا قبل أيام، في غياب الجميع وقد أغلق الغرفة من الداخل، وتجرد من ملابسه ، وتجرد من القيم والأخلاق والعرف والقانون ،ورائحة الشيطان كانت تملأ الغرفة ، ذلك الطلب السخيف أكد لي  انحرافه ، ذكرت له أنني لا أطعن بخنجري الرجال من الخلف بل أواجههم من الأمام بقوة الحجة والمنطق ، وأحفر بذات الخنجر الأراضي الخصبة التي تنتج أجيالاً تخلد اسمي ولا أحفر به الجبال التي لا تثمر ، فهددني وترجاني ألا أخبر أحداً بما جرى بيننا، غادر عبد الله الكافتريا دون أن يتناول الطعام أو يطلب الإذن من محدثه ودون أن يقرر إلى أين هو ذاهب ،
يدخل الغرفة و يستلقي هناك ويدخل في تفكير عميق ، يحدث نفسه ويتمتم بعبارات وهذيانات لا جدوى منها ، لاشك أن سامراً كذاب منافق يريد أن ينتقم لكرامته فقط ، لكن هل يصل به الكذب إلى هذا الحد ، لؤي هذا محترم مؤدب مثقف غني كريم لا تليق به هذه التهم ، لكن حركاته بناتية وصوته الموسيقي هذا لا يشبه صوت الغبش من الحدادين والكماسرة وعتالي سوق المحصول . إنسان لين البنية  وهذا ما يجعلني أكاد أصدق أدعاء سامر الكذاب ،هذا أمر لا يسكت عليه لابد أن أحسمه مهما كان الثمن ، فلتحدث بينهما فتنة ، صراع ، موت ، أي شيء ، لا يهمني ؛ لأنني مستحيل أن أقيم مع إنسان تلاحقه مثل هذه التهمة ، سوف تتلطخ سمعتي ويتدنس شرفي ، فلنذهب إلى القانون سأحكي لهم كل شيء بالتفصيل ، لكن عليّ أن أفهم أن هذا مجرد إدعاء والتهمة لم تثبت بعد ، ولؤي قد يكون بريء من هذه التهم ،  لا أنسى أن سامرا كذاب منافق لا يصدق ، يجب أن أغادر هذه الغرفة ، لابد أن أبتعد عن لؤي ،  لكن إلي أين ؟ سأسأل لؤي بنفسي عن هذا الموضوع، ولكن  كيف أسأله هذا السؤال السخيف؟ بالتأكيد سامر يعرف أنني لا استطيع أن أسأل لؤي هذا السؤال المحرج، تباً لهما معاً، تباً للجميع ، ما ذنبي أنا  إذن على الأقل سأقول له اترك الحنكشة ياهذا، كن قوياً، ماذا أصنع ؟أين الحقيقة ؟ من أصدق ومن أكذب؟ كلهم يقولون لي أنهم محقون ، يا لها من فوضى ! هل توجد حقيقة ؟ فلنفترض أن هناك حقيقة فمن يمتلكها ؟ سامر أم لؤي؟ السفسطائيون أم مثبتو  الحقائق ؟ العقلانيون أم التجريبيون؟ السلفيون أم المتصوفة ؟ الغرب أم الشرق ؟ المستعمر أم أبناء البلد ؟
الشعوب أم الحكّام ؟ ولا مجيب عن هذه التناقضات ، فقد أعلن الجميع الصمت ,صمت الساعة الثالثة صباحاً،  فيقرر في حيرته أن يصمت هو أيضاً و يترك كل شيء إلى غد ويحلم بصبح مشرق يشفي كل الآلام  ويجيب عن كل التساؤلات ، ويحل كل التناقضات  فيغرق في صمته العميق.

تعليقات الفيسبوك

تعليقان

اترك تعليقاً

‫شاهد أيضًا‬

في مديح الثوّار 2

(1)      كانت القصيدة التي تدعو إلى الثورة متحررة من كل القيود، فقد ثارت القصيدة على قيود …