Writer block

إنها الواحدة صباحًا؛ حيث تأوي جميع المصائب إلى وسائدها؛ الجو الخانق يجعلك تدرك أنك تعيش أنفاس أبريل الأخيرة؛ باب الغرفة الموثر ببقايا نوبة الغبار اللجوجة لازال يحفظ عهد الإقفال؛ بينما النملية المدثرة للنافذة تلهو تحت بريق قمم أبراج الخرطوم من خلف سورها النيل؛ ثم لا شيء سوى رائحة “حلو مر” متسكعة في زاوية ما من أزقة “الفتيحاب” المغبّرة؛ كنت غاضبًا جدًا ، ومحتار أكثر للجهل بالسبب؛ غرفتي البائسة أصابتها جائحة الغبار، فبدت كمخزن مهجور مع لهب لمبة الكايروسين، نضوت عن المكتب الصغير طبقة الغبار الكثيفة فانجلت أشعة الكايروسين عليه، ثم عبسًا  حركت مفتاح المصباح الكهربائي قبل أن استدرك أن أمدرمان لا تنير للأتربة الشوارع، استدرت بالكرسي الجوال لأفتح النافذة الخلفية وأزود غضبي بالورق الأبيض، فالكتابة هي المسكن الوحيد في هذا الليل الدامس، سحبت الدرج لأنتقي قلمًا من ركام الأتربة، فلكل حالة مزاجية نصل من الحبر، الآن كل شيء جاهز، ولكن ماذا عساي أن اكتب؟

نظرت للسقف مع وهج لمبة الكايروسين المتراقص، لم تجبني أشعتها الضالة في متاهة الليل الأسحم بما يهدي السطور نقش ازرق، تفكرت في مسيرتي الكتابية الطويلة، فمنذ سنوات وأنا اخلق على الورق عوالم تعج بالخبايا والتفاصيل، دون أن اقترب منها، لابد من الغوص في عالمك الخاص يا محمد. وكزني ضميري؛ فالتقرب من هؤلاء الورقيين هو الشيء الوحيد الذي أجده سهلًا، بل هو الشيء الأكثر تسلية على الإطلاق، هممت بإدارة الكرسي الجوال لإخراج رزم المسودات القابعة في الخزانة؛ قبل أن أدرك بأني لا أحتاج لذلك، فأنا اعرف عالمي جيدا لأني أنا من رسم له مسار أقداره، ومع تأكيد الإحاطة ذلك أدركت شيئًا كنت في سهو عنه تمامًا، عندما تُقرأ الأمور بطريقة مغايرة نكتشف خباياها، فأنا لم أفكر يومًا في نهايات أبطال قصصي بمعزل عن بداياتهم، ثلاث وتسعون شخصية، يلقون نفس المصير، يا للصدمة !، كيف تجاهل النقاد هذه النكسة، فجميعهم كتبوا حول الحبكة الدرامية، واهتزاز بنية السرد في وسط النصوص، حتى إن احدهم كتب عن تقارب فضاء الحكايات وتداخل المشاهد التصويرية، لم يلحظ أحد منهم تشابه النهايات، ربما لأنهم لم يعطوا محصلة النهاية ما أعطوه لصورة قفل المشاهد من اهتمام، ففلتت من أعينهم الحقيقة الفاضحة،ولكن ذلك لا يهم، الآن لدينا أمر أهم من ذلك، لابد من الكتابة، نعم الكتابة، فهذا الليل الاصلم لن يرضى سوى بالسطور؛ ولطالما وددت الثرثرة مع الكائنات الورقية لذلك فلنكتب للأخرق صاحب قصة “الرضوخ”.

إلى السيد/ علي جودات

باحترام

أظنك تدري يا صديق الورق، انه في سكون الليل وهجيعه ترتحل ذواتنا نحو عالمها الخاص بادئة الرحلة بنشيد الروح؛ وفي طريقها الطويل ترنمه بإخلاص يليق باندماجها المقدس، ثم قبل فراغها من الإنشاد تعرج إلى المنارة؛ حيث أشياءها الخاصة.

لقد استمتعت أيما متعة عند أبتداع حوارك مع الروح، لأني أعرفكما أكثر مما يعرف فؤاد توجياته، لذلك تفننت في ابتداع عباراتك وصدقها، ليس فقط من أجل أن تكون بطل قصة ناجح؛ وإنما لأنك ستبقى طويلًا في فضاء السرد، وقد بنيت تنبؤاتي على خبرتي في ابتداع الأبطال بلا شكً؛ ولكن رغم ذلك فقد بدوت صادق في حديثك ومضمون إفادتك. ولو جاز لي السؤال لكان:

لِمَ كل هذا القدر من التعمد؛ في تبسيط للأشياء وتفسيرها نقيض ما نعرفه؟ ثم تزيد على ذلك بإنكار الحقائق!

لقد بهرتني جراءتك التي ولدتها حمى السرد عندما صدحت: ” الشمس لا تشرق من جهة الشرق حقيقة” ثم بدأت بنفث الأكاذيب؛ فقط لتعضض كذبتك المفضوحة !؛ لا ادري، لكن أظنني قادر على الزعم بأنك دائمًا ما تسئ تقدير الأشياء؛ فبإمكانك أن تكون متفردًا في طرحك، مرتبًا في تناولك، و تستخدم الأسئلة مدخلًا لزلق أفكارك إلى الآخر –لاشعوريًا ثم تفاجئه بالنتيجة- دون الحاجة إلى خلق مزيدًا من الأكاذيب -ولكنك رغم ذلك كنت بارعًا في الطرح لدرجة جعلت الروح تصدقك وهي متيقنة بأكذوبة الفكرة؛ لقد سرني ذلك !-؛ وكأي مغرور بفنون الكلام أعلم أنك مهووس بالكمال؛ ولكنك تتجاهل حقائق مهمة؛ فما من كمال إلا وبعده نقص؛ والواصلون رجوع، فعند نهاية الهرم تبدأ درجات النزول؛ لذلك؛ قدّرت عليك -دائمًا- إبقاء شيء عندك لكي لا تصل إلى نهاية الهرم، ثم المناورة من محيط تلك النقطة فبقي التوازن أبديًا.

إليك اكتب، واعلم انك سوف لن تعير كتاباتي أدنى اهتمام، فالورقيون لا يهتمون سوى بهواجس المحو، ليس استخفافًا بك، ولكنك محض بطل ورقي لم تذق يومًا حلاوة التواصل؛ ولو أنك تدرجت قليلًا في سلم السطور لرأيت ما بدا لك بعيدًا في حياتك البيضاء؛ أعني شطحاتك في عالم الخيال، لا أظن بأنك ستغضب لو أن احدهم أخبرك بأنها محض هواجس بشرية بالية ألصقتها بك كحيلة لمجاراة آلة الزمن المعطلة بجانبك، وان واقعك المفترض هو حقيقةً تاريخ المتطلعين البؤساء الذين لم ينالوا أي شيء من مباهج الحضارة البشرية، ولا شغف اكتشافاتها، إذًا أنت محض حيلة قذرة؛ هل ذلك سيزعجك؟

لا أظنك بعد كل هذا ستفكر في هيبتك أمام أعين النقاد وجموع القراء، فالحقيقة أنك لم تنل من ذلك شيء، فأنا هو من تسلم الجائزة المالية، بل أنا أيضًا من قام بالحديث لوسائل الإعلام عن حياتك دون الرجوع لك، فأنت مجرد بيدق، تشبه تمامًا مشرد ينام تحت مجاري السطور ذات الحبر الجاف، هل أنت الآن مندهش من وصولية أصحاب الألفية الثالثة. حسنًا؛ فهو أمر لا يدعو للدهشة، لاسيما تحت سلطة الأمين العام للأمم المتحدة، لأنه يفعل ذلك بنفسه وبقلق دائم.

عند اطلاعهم على اكتشافك العظيم أحرقوا أوراق بحثه وحطموا النموذج في حفل تقديمه الكئيب. لقد شعرت بالمرارة التي تعيشها داخل عالمك الورقي خصوصًا عندما بدأت تردد جملتك المعهودة “دي ما امة يرفعوا ليها علم” ولكنهم رغم كل ذلك فهم لم يفعلوا سوى ما فعله التاريخ البشري مع المارقين، أعلم أنك تجهل ذلك!.

كلما تذكرت ذلك الموقف ضحكت عاليًا ولو في مكان عام، أقصد قصتك مع الجرذان، اذكر أن احدهم عندما رويتك له –بابتذال- حيث قدمت له موجز لرؤاك من التجارب العلمية والى اعتمادك تعليم الجراء فنون القتال، ثم كيف انك تعتقد أن الكلاب هي الأصل وان ما سواها من حياة صنيعة بديهية لوجودها؛ وبعد أن جادلني طويلًا نعتني بالخرافة. خاصة عندما كذبت عليه مدعيًا وجودك واقعيًا في بقعة ما من هذه اليابسة.

أدري أنك تعيش داخل سطور خارجة عن سلطة الزمن ولكن سأتساءل؛ هل أنت ضجر الآن من عواصف الغبار التي تجتاح المدينة؟

حسنًا؛ لابد من ختم الرسالة الآن فأشعة الكايروسين غلبها النعاس.

تعليقات الفيسبوك

‫شاهد أيضًا‬

عبقرية امرؤ القيس الشعرية

الحادي والعشرون من أذار كيوم منذور للشعر أبداً؛ في خليقة ما بعد الحداثة، يمر علينا ولمّا ن…