دعاء

      تنتابني منذ مدة فكرة أني أحوي ذاكرة الآخرين داخل رأسي أو لنقل هي رؤية، فالفكرة قد تنفصل عن صاحبها ولا تؤثر عليه مباشرة. رؤية إذن، ولكنها مشوشة قليلاً. نبتت من أنني غالباً ما أرى انطباع الآخرين عن الموقف أو عن شخصي قبل أن أعيش الموقف، وهكذا أضع ذاتي بعيداً عن المتن، حيث يمكنني التنفس بسهولة خارج مدار الذاكرة، ولو لفترة قصيرة.

      يعود الأمر لرؤيتي للناس عبر نواياهم، وليس عبر أقوالهم أو أفعالهم المرتبطة باللحظة الحاضرة الفانية. محاوِلةً الإمساك بجوهر الآخرين في مقابل تهميش الذات. التضحية التي لابد منها. ربما يحدث ذلك لانتكاسي المرضي حينها الذي يبقي المرء مراقِباً على حافة الحياة، أو ربما لعودتي – بعد اغتراب في دولة أخرى – للمكان الذي ولدت وترعرعت فيه بعيون جديدة جعلتني أحس بأن ما كونته من ذكريات للانتماء لم تكن صحيحة، أو ربما لم تكن موجودة إلا في ذاكرتي البعيدة، بالتالي يزداد ذاك الإبهام عندي، ويتمدد حتى هنا حيث مسقط الرأس. يتكاثر مفهوم الغربة ويتمدد متفرعاً بأرجله في كل المدن التي زرتها أو قطنت بها لمدة زمنية ما. حينها أنفصل تدريجياً عن العالم الخارجي متمثلاً في المكان، ثم أنفصل أكثر عن ذاتي التي تنتمي في جزء منها للمكان وللآخرين من حولي. أبسط راحتي يدي أمامي وأنظر إلى تلك الخطوط المرتسمة فيها ثم أقلبهما ناظرة لأصابعي في خوف، محاولة أن أهدئ من هلعي بتأملها بطيئاً حتى أعود ليديَّ وباقي هذا الجسد.

      الجسد الذي كان المحفز لشعور الاغتراب أو لاكتشافه داخلي. فلم تكن تلك الندبة الحمراء على ذراعي غير مؤشر أولي لحالة سترافقني بأشكال عدة. فما من وجود ثقيل لهذه الكتلة على جسد أي إنسان آخر حولي سواء في البيت أو الحي أو المدرسة. وقد تلا اغتراب الجسد ذاك شعور الاغتراب بالمكان، ففي صغري كان الكبار من حولنا لا يكفون عن المقارنة بين هنا وهناك، وكأي طفلة اعتقدت أن السبب يكمن فيّ. عرفت بعدها أن البعد هو مقياس لمستوى الرضا؛ كلما بعدت الأشياء من متناولنا بدت أفضل وأجمل. اكتشفت لاحقاً أن تلك الأرض السحرية ليس لها مكان بالواقع بل جزء من خيال الكبار يسمونه الوطن. فترى الكبار مستقرون مكانياً وتائهون زمانياً، بينما الأجيال الجديدة على العكس تستقر في الزمن اللحظي، في الآن. ثم يأتي اغتراب اللغة حيث التفكير بلغة والكتابة بأخرى دون انتماء لأي منهما فمصطلح كــ (اللغة الأم) يظل مستغلقاً في مجتمع يتحدث أكثر من لغتين.

      في تلك الأيام، حين أتيحت لي حرية اختيار ما اقرأ، كنت أحاول أن أجد تفسيراً لعلاقتي بكافكا أو انجذابي للأدب الفرداني عامة. كنت أعزو الأمر لعدم ذكره للمكان بصورة واقعية محددة باسم لمدينة أو قرية تنتمي للعالم الخارجي المبهم لي. أن أعيش داخل المكان هو أمر كان ولا يزال يؤرقني. كما كنت أربط العلاقة بسبب رفض والدي لهكذا قراءات. والدي الذي يعاتبني بحنو لعجزي عن الانتماء لجذوره مهما حاول معي، والذي يذكرني بذاكرة الوطن المفقودة لدي منذ أن تسربت الغربة إلي عبر الحبل السري، أتغذى عليها قبل تذوق طعم الماء أو دفء حليب الأم.

     هكذا تكون الغربة أخطبوط هلامي، ينفث سمّه الأزرق حول المرء ليعزله عن محيطه حمايةً له. يمَكِّنه من خلال الماصّات تحسس الأشياء من حوله بانتماء أعمى. ويسبح بلا رغبة في الاستقرار إلى عمق محيط الذات.

      هذا ما كان عليه حالي وأنا أقرأ مذكرات المفكر ادوارد سعيد بعنوان (خارج المكان)، مغلفة بسحابة الحبر الأزرق. يتناول سعيد فكرة الهوية المركبة من انصهار عدة ثقافات بدأت منذ طفولته المبكرة ويختمها عند ذكرياته الجامعية في تسلسل سلس يأتي على خلفية الحروب التي أثرت على منطقة الشرق الأوسط حيث ارتبط قدره بثلاث دول هناك، فلسطين، مصر ولبنان.

     نراه يتحدث عن إقصاء الأسرة له عن السياسة قائلاً: “ومن الأدلة على عزلي المحكم عن الوضع السياسي الفلسطيني بل وجهلي به، عندما كنت صبياً، أني لم أفقه شيئاً عن مكانة بيدس الحقيقية في فلسطين.” ثم يتابع بفقرة تالية: “يغمرني الآن إدراك لهول التفكك الذي عانته عائلتنا وأصدقاؤنا، وقد كنت بالجهد واعياً له، أنا الشاهد الذي لم يشاهد شيئا في العام 1948.”*

     يتكرر هذا الفعل في كثير من الأسر، فيعزلونك عن أخبار الأهل والعائلة بقصد عدم اقلاقك مما يجعلك بمرور السنين قليل التفاعل مع أحداث الأسرة ويتعمق دون انتباهك ذاك الشعور.

     إذن ينشأ هذا الشعور باللاانتماء ويترتب عليه عدة أشياء منها الركون للعزلة. ولازلت في مسار كتب المذكرات حيث (العزلة) وفقا للنيويوركي بول أوستر (نوع من الملجأ. كعدم رغبة في رؤية الشخص لذاته، لعدم رؤيته لذاته مكشوفة لعين الآخر.)  يقول في كتابه (اختراع العزلة).** فما الذي يجعل شخصاً يؤسس حياة يكون فيها لوحده. يقول أوستر في مكان آخر عن والده المتوفى: “رجل يجد الحياة قابلة للعيش على سطح نفسه، من الطبيعي جداً أن يكتفي بإظهار سطحه للآخرين.”

     وهذه العزلة هي في ذاتها أحد أوجه التيه. فمن الغريب أن يرتاح الإنسان للمكان وهو مرتحل إلى العماء. هكذا أتجول غالباً بين دفتي كتاب، أو أذوب بحلم جميل يزورني في المنام، والزمن هناك كائن هلامي يتمدد وينكمش، حيث النوم بما فيه من تيه هو طريقي للإفلات من ذاكرة العالم.

      كانت أحلامي لما يقارب السنة تدور حول ثيمة الرحيل. أجدني أحزم حقيبتي، أو في مطار ما مستعجلة للحاق بطائرة تقلني إلى اللامكان. تجاوزت الأمر، وكدت أنساه، حتى بدأت بقراءة كتاب (في الحل والترحال: عن أشكال التيه المعاصرة) لعالِم الاجتماع الفرنسي ميشيل مافيزولي. يتحدث فيه عن التيه الوجودي وكما في كتاب اللامنتمي للبريطاني كولن ولسن يتحدث الكتاب في البحث عن جوهر المرء بالتصوف في جميع أشكاله الدينية والفنية والشعرية. يتناول موضوع التيه كنوع من التمرد على الجمود الأيديولوجي والمؤسساتي ونشد الحرية، وبهكذا يتجدد تكوين الفرد والمجتمع ونهضته، ففي الركون فناء. يحثك على التحرر من كل ما يربطك لمكان. ويرى أن الرغبة في التيه هي محرك خفي للثورات الدينية والفكرية والسياسية والأدبية والفنية. فلم تعد – برأيي – آراء الآخرين تشكل أهمية للأغلبية المعاصرة المرتبطة بمواقع التواصل الاجتماعي حيث لكل شخص آراؤه المسموعة من تلك الشهرة الاسفيرية. بالتالي ما يشدنا حقاً يكون في رؤية أنماط الحياة المختلفة للأشخاص. ما يشدنا في الآخرين هو هذا الشتات الذي يجمعنا. فلا ثقة لي بالأمكنة كثيرة التنقل، ولا أطمئن لغير الزمن حيث أخبئ فيه ذكرياتي عن الوجود أو الفناء.

     في هذا الكتاب نجد فكرة السطح التي تناولها أوستر بذكر الكاتب مقولة لـ (زميل) جاء فيها: (جمال البندقية من الجمال الملتبس للمغامرة العائمة على سطح الحياة والمفتقدة لجذور.) ثم يضيف على بعد صفحات عدة بأن (عدم التجذر في مكان ما والشعور بالراحة من خلال التنقل من ثقافة إلى أخرى) وفقا لمافيزولي (باتا موقفا فكرياً ووجوديا عظيم الانتشار في أيامنا هذه.) ***

     يدعونا مافيزولي لأن لا تستأنس نفسنا إلا للتيه الوجودي. كما يتيه النَّفَس الخارج منا إثر كل شهيق. فربما نجد الإجابة هناك حيث لا نتوقع. أخبروني ما الأجمل من أن يفاجئ المرء ذاته.

      هذا التيه الوجودي بدوره يحفز المرء على نبذ الألفة تجاه المسلمات وحتى الناس والأشياء. ومن الأمثلة ما نجده في فيلم (بروكلين) للمخرج جون كرولي والمقتبس عن رواية للمؤلف كولم تويبين بذات العنوان حيث نرى ببداية الفيلم الانطباع الأول من غربة المكان في شكوى الشخصية الرئيسية (آيليش) للكاهن بقولها: (أود لو أنني أقلع عن التفكير في رغبتي بكوني فتاة ايرلندية تعيش في ايرلندا.) لنلاحظ بنهاية الفيلم تبدل وجهة نظرها وهي تحادث فتاة تصغرها تغترب جغرافياً لأول مرة بحياتها محاولة تهدئة مخاوفها بالقول (ستشعرين بالحنين للوطن حد الرغبة في الموت. وليس باليد حيلة غير احتمال الأمر. وستتجاوزين شعورك. ويوماً ما ستشرق الشمس دون أن تنتبهي لذلك مباشرة حيث ستكون أشعتها بذلك الخفوت ثم تنتبهين لذاتك مفكرة في أمر ما أو شخص ما لا رابط له بماضيكِ، شخصاً ملككِ وحدكِ وتلاحظين أن حياتك لم تكن إلا هنا.)

      فنجد الألفة بالغربة هنا هي محاولة خلق عادة من شيء غريب. فـالشخصية الرئيسية (إيليش) قررت أن تستقر في الغربة تاركة وراءها الوطن والحب الأول بعد أن تملكها الاحساس بهشاشة ذلك الرابط في زيارة سريعة لها لأرض الوطن. محاوَلة ليست في حقيقتها إلا تعويض لذاكرة أولية مفقودة. أن نخلق ألفة لا تتجاوز حد فقد الأشياء لجمالها.

      وبالعودة للغربة الأولى، هناك عادات لنا لا نحب أن يطلع عليها الآخرون، خشية اتهامنا بما لا يدركونه، ومن تلك العادات أني أحب تكوين أشكال هندسية بسيطة في أشرطة الدواء، وذلك بأن آخذ الحبوب بطريقة تعطي شكلاً ما بالنهاية، كأن أرسم وردة أو عدة ورود متصلة، أن أخلق شيئاً جديداً بعملية حذف/إنقاص. كما أني أضع ورقة الإرشادات الطبية المرفقة بدواء ما كفاصل كتب في كتاب أقرأُه. قد يكون كل ذلك محاولة لتزيين الحزن الداخلي بجسدي، أومحاولة لخلق ألفة مع العلاج وأعراضه الجانبية التي لا تنتهي، أو تكون هي الطفلة العنيدة بداخلي التي تأبى الجمود والرتابة في الأشياء من حولها.

     بعد رؤية شيء من آثار الغربة المطروحة سابقاً، يبقى السؤال هو: هل يكون المرء مغترباً في ذاته، أم أنه نتاج البيئة المحيطة به؟ وهل بالتالي يكون الانتماء للاغتراب هو فعل اختيار وليس شيئاً في جوهر المرء؟ وماذا لو تعددت احتمالات وجوديته؟

     ربما يختلف جوابي الآن عن رأي دعاء المستقبلية، لذا أتركه مفتوحاً هكذا، بما أنكم بتم تعرفون الآن أني أمجد التيه حيث لا أؤمن بفكرة الوصول ووضع نقطة آخر السطر.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

* (خارج المكان). تأليف ادوارد سعيد، ترجمة فواز طرابلسي، الطبعة الأولى عن دار الآداب عام 2000، ص153

** (The Invention of Solitude) Author: Paul Auster, Penguin books publisher, 2007

*** (في الحل و الترحال: عن أشكال التيه المعاصرة) تأليف ميشيل مافيزولي، ترجمة عبد الله زارو، دار نشر أفريقيا الشرق، ص88 و ص135

**** فيلم بروكلين 2015، للمخرج جون كراولي، كاتب السيناريو نيك هورنبي. عن رواية للمؤلف الايرلندي كولم تويبين.

تعليقات الفيسبوك

‫شاهد أيضًا‬

*خارج الجسد

( لا بد من التنويه أن الآراء الواردة في هذه السلسلة لا تعبر بالضرورة عن كافكا المعلوم لدى …