-35156

في حصة الرسم.. قالت مدرسة الفنون ذات الخيال الجامح.. التي تعشق جعل الأطفال يحلقون بأدمغتهم في سماوات اللا ممكن.. قالت:

ما رأيكم يا أطفالي.. إن أخذ كل واحد منكم ورقة بيضاء.. ليرسم عليها ما يحلم أن يغدو في المستقبل؟؟

قالت عبارتها البسيطة ببراءة مطلقة.. بالتماع مبهر في عينيها الضيقتين.. التماع التقطته أعين الصغار بسرعة البرق.. وهم يبتسمون بفكر جامح.. يطوف فضاء المستحيلات وما جاوزها بحثًا عن حلم ما.. تحتمل تفاصيله ورقة بيضاء صغيرة.. قبل أن يبتدروا واحدًا تلو الآخر الانهماك في رسم ما تفتقت عنه أدمغتهم الصغيرة.. قلوبهم الضخمة.. وأرواحهم العملاقة.. والمدرسة النحيلة تطوف بين أدراجهم ومقاعدهم.. تتابع شخبطات أقلام الرصاص.. تحملها أناملهم الدقيقة.. وتبحث عن حلم مستحيل..

لم تنتقد حلم أحدهم.. حتى رامي.. الذي رسم رجلًا بلحية متأرجحة.. وقال أنه يريد أن يصبح نبيًا.. وطارق.. الذي ذهب إلى أبعد من ذلك.. رسم كائنًا خرافيًا.. بأجنحة سوداء.. قائلًا أنه يريد أن يغدو إلهًا.. كان رأيها الذي لا تزحزح عنه في نظرها.. أن أحلام الصغار هي عشر معشار مستقبلهم.. إن حلمت يا صغيري (قالت) أن تغدو كوكبًا.. فستصبح رائد فضاء.. إن طمحت إلى أن تصير بحرًا.. يمكنك في يوم ما أن تكبر بحارًا.. وإن لم تغادر أحلامك محطة أن تصبح طبيبًا.. فلن تصبح إلا مريضًا بائسًا.. لا تغادر أسرة المستشفيات..

كانت تطوف بين الأدراج والأطفال والأوراق بنهم.. تطالع أحلامهم الغضة الجامحة.. وتبتسم بود.. وتربت على أكتافهم تهنئهم بما أنجزوا.. تجزل في العطاء عبارات إطناب وتمجيد جذلة.. حتى توقفت عند درج عبد الموجود.. في أخر أركان الفصل.. عبد الموجود لم يرسم في ورقته سوى طفل.. طفل صغير جالس على الأرض.. لا تقوى أقدامه حتى على النهوض.. رفع عبد الموجود بصره يطالع مدرسته المنتصبة أعلى مقعده.. وهو يقول بابتسامة ساذجة:

أستاذة.. ألا يشبهني؟؟

حملت الورقة ببطء بين أصابعها.. وابتسامتها تتضاءل شيئًا.. فشيئًا.. قالت:

ما هذا يا عبد الموجود؟؟ هل تريد أن تظل طفلًا؟؟

ضحك عبد الموجود بفرح متوتر.. وهو يجيب:

لا يا أستاذة.. أريد أن أصير أبًا.. أريد أن أنجب طفلًا يشبهني..

عادت ابتسامتها للاتساع من جديد.. وهي وتعيد الورقة ببطء إلى درج عبد الموجود.. كان طفلًا غبيًا.. يشتكي منه كل المدرسين بلا استثناء.. هادئ.. مهذب.. أجل.. لكن لا شيء.. لا معلومة.. لا فكرة تستطيع التسلل بين طيات مخه ثقيل الفهم والإدراك.. ربما حقًا يعتبر إنجاب طفل حلمًا مستحيل التحقق بالنسبة له.. ماذا سيصبح هذا البائس سوى عامل ضئيل الرزق.. لا يقوى سوى على كسب قوت يومه.. أو متسولًا ربما.. خاصةً وهو ابن لأسرة فقيرة.. بالكاد تستطيع دفع تكاليف تعليمه.. عذرًا.. إهدار أموالها الشحيحة في محاولة تعليم هذه الصخرة الصماء..

هذا ما دار في دماغ مدرسة الفنون.. وهي تربت على كتفه حنوًا بحكم العادة.. و تعاود التنقل بين الأوراق..

مشكلة الأطفال أنهم يكبرون.. ليكتشفوا قسوة العالم على أحلامهم.. أن الأب.. الأم.. ليسا مخلوقين خالدين على مر الأزمان.. سيموتان يوما ما.. ليتركانك تواجه معارك الاحتياج وحيدًا.. بلا درع.. وأحيانًا بلا سلاح.. وهكذا صار عبد الموجود.. اعزلًا في ساحة معركة لا ترحم.. كل لحظة تمر.. تهدد صادقة بعدم العودة مرة أخرى.. وأنها لم تعد إلا مجرد ذكرى.. سيطويها النسيان لا محالة.. وعبد الموجود يكبر معها.. تتراكم اللحظات والثواني والدقائق والساعات والأيام والشهور والسنوات.. ومازال هو كما هو.. ذات المخلوق البائس الفقير.. ذو العقل الثقيل.. والفهم المتعسر لما يدور حوله.. تكيل له الحياة اللكمات.. الواحدة تلو الأخرى.. وملامحه ما فتئت محافظة على ابتسامتها البلهاء.. سرعان ما أدرك برغم غبائه البائن.. أنه بات وحيدًا الآن.. بلا معين.. وبلا حرفة يتقنها.. وبلا أمل في مستقبل مشرق.. كان حلمه اليومي وهو يتنقل بين السيارات يلمع معدنها وزجاجها هو أن يجد قوت يومه.. وحلمه الأزلي العصي على التلاشي.. أو حتى التوقف عن النمو باضطراد مذهل.. أن ينجب طفلًا يشبهه:

أنا وسيم جدًا.. يستحق هذا العالم طفلًا يشبهني..

أو كما قال..

الحقيقة أنه كان دميمًا.. هزيلًا.. بظهر محني منذ طفولته الغضة.. فيما يشبه التشوه.. وملامح غليظة.. لم تكن تزداد إلا غلظة.. يعينها على ذلك شظف العيش.. وقسوة الأيام..

أدرك أيضًا.. في لحظة ما.. أن حلمه يحتاج الكثير والكثير من الوقت.. بمعدل كسبه اليومي.. بمقياس تشرده بين الطرقات والشوارع دون سقف يظله.. سيحتاج مائة عام.. أو تزيد.. كي يتزوج.. ثم ينجب.. ليكون عائلة.. تمنحه لقب (أب).. هو لا يمتلك من حطام هذه الدنيا سوى بضعة خرق ممزقة.. وصندوق خشبي.. يحتفظ فيه بلوحة بسيطة وساذجة.. تصور طفلًا يعتقد أنه يشبهه.. رسمها قبل سنوات مضت في حصة الرسم.. يطالعها كل ليلة قبل أن ينام.. أو.. كي ينام.. يحلم نائمًا كما كان يحلم يقظًا.. بطفله.. يلاعبه.. يداعبه.. يقبله.. يرمي به بعيدًا في الفضاء.. قبل أن يلتقطه من جديد.. والمشهد السعيد تزينه موسيقى ضحكات الطفل المغتبط.. ليمر يوم جديد دون أن يقترب ولو قيد أنملة من حلمه المستحيل.. المصيبة الحقيقية كانت أن حلمه ما زال يكبر بداخله.. يحتل أحشاءه ودهاليز روحه.. كلما رأى طفلًا يلعب.. تحدثه دواخله: طفلي سيبدو أجمل..

كلما شاهد والدًا يعنف ابنه.. يحدثه خاطره:

سأصبح والدًا أكثر حنانًا..

كلما شاهد طفلًا باكيًا.. يعزي حزنه:

لن أسمح لطفلي بالبكاء.. مطلقًا..

أغرق حلمه قلبه وجسده بالعشم والحزن.. حتى بدأت بطن عبد الموجود في الانتفاخ.. بالعشم والحزن أيضًا..

بالتأكيد لم يتخيل احد من أبناء الشوارع الضيقة أن عبد الموجود كان حبلًا.. الحق أنهم لم يعيروا الرجل الصامت اهتمامًا.. زاد وزنه أو نقص.. هو مجرد موجود ما.. يشغل حيزًا من الزقاق الضيق المعبق برائحة العرق الساخن.. والدموع المكبوتة.. الزقاق الذي يضم أجسادهم المنهكة ليلًا.. للنوم.

حتى استيقظ الزقاق الضيق ذات صباح.. على صرخات طفل ما.. ظنه المشردون صغارًا وكبارا طفل سفاح آخر.. رمته أم خائفة من انتقام ذويها ومجتمعها إلى كلاب الشوارع.. بدأت أعينهم المتهالكة تبحث عن مكانه.. أين خبأته تلك المأفونة عن العيون؟؟

لكن الطفل لم يكن مختبئًا.. كان يسكن حجر عبد الموجود ظاهرًا للعيان.. ذلك الأخير كانت تعلو وجهه ذرات عرق كثيف.. كأم عانت طوال الليل آلام المخاض.. كان الطفل مغطى بالدماء.. برغم ذلك بدا واضحًا الشبه بينه.. وبين عبد الموجود.. والده المزعوم.. والده الذي اختفى انتفاخ بطنه تمامًا.. مفسحًا المجال ليس للطفل فقط.. بل لدهشة سكان الزقاق.. وضحكاتهم الساخرة.. التي ظلت تتعالى.. وتتعالى.. تغطي على صوت الطفل الباكي.. تتعالى دون توقف.. دون أمل حتى في التوقف..

كان هذا ما دار في خيال مدرسة الفنون.. ذات الخيال الجامح.. قبل أن ينطلق جرس نهاية الحصة.. لتودع تلاميذها بابتسامة باتساع الكون.. وهي تقول:

الله يا أطفالي.. كم كانت أحلامكم مبهجة.

 

تعليقات الفيسبوك

‫شاهد أيضًا‬

من ذاكرة نصف نبي

عذرًا فتياتي الصغيرات.. أنا لا أذكر الأسماء التي تمنحني السعادة.. أذكر فقط تلك التي تهديني…