%d8%a7%d9%82%d9%84%d8%a7%d8%b9
 إلى آتيان توماس ؛ في كريسماس العام 2016 .. وأنا لا أعلم عنك أي شيء منذ أن نزلت في محطتك الأخيرة قبل أعوام

” السودان دولة إفريقية عربية، لها شخصيتان متمايزتان وثقافتان، ومزاجان، إحداهما زنجية والأخرى عربية، وذلك أمر لا يرتبط بأي شكل بموضوع الدين واللغة. فلن يستطيع الإسلام أو المسيحية أن يوحد السودان، ولن تستطيع ذلك اللغة العربية، وهي أمور حدثت مبالغة في أهميتها في الآونة الأخيرة. فالوحدة في نطاق التعددية هي الحل لمشكلة الجنوب، وهو الحل الذي يمكن أن يتجسد في دستور فيدرالي. ”

                              رسالة حزب سانو إلى السيد سر الختم الخليفة، رئيس وزراء
                                                  حكومة أكتوبر بتاريخ 8 نوفمبر 1964

طالت ساقاه بصورة ملحوظة في تلك الفترة حتى صار بقية الصبية في الحي يخافون منه ؛ شعر بأنه كبر حقًا عندما بدأ بلعب كرة القدم مع من هم أكبر منه سنًا ، مساويًا لهم في السرعة والقوة ، نمت أحلامه بتسارع كما تنمو الشعيرات في جسم أي مراهق ، اختلفت حياته بشكلٍ وتغييرٍ بسيط ، اتسعت المساحات حوله وأحس بأنه أكثر حرية لفعل ما يريد فكان كأي مراهق ، مليء بالطاقة لا يسكن في مكان واحد ، ينزوي عن الناس ويفضل الشارع والخروج أكثر من وجوده في البيت . فعل الكثير وقال ما هو أكثر ، لكن دائمًا ما ظلت الأفكار والكلمات المثيرة للرغبة مسجونة عن ارتكابها كقول كلمة أحبك للفتاة التي يخبئ الإعجاب بها ، والسفر وحيدًا لولاية أخرى . قال الأولى بخوف ورغبة على الهاتف ولم يفعل الثانية بالشكل الذي يتطلع إليه . واليوم بعد كل هذه الأحداث وذكرياته الصبية ؛  ما زال يشعر بأنه موثوق بفكرته القديمة ذاتها أن يسافر في رحلة عكس مجرى النيل بقارب شراعي صغير ، يتزود من أهل الضفاف كلما احتاج إلى شيء ، يلتقي بأصدقاء جدد ، ويرى أماكن مدهشة ، يتناول شاي الصباح كل يوم في قرية مختلفة ونائية على ضفاف النيل الأبيض ، يصنع قهوته تحت شجرة حراز كبيرة وهو يراقب المكان حوله بهدوء وطمأنينة الساكن وابن المكان . ليس هناك هدف معين ونقطة وصول سوى المعرفة .. معرفة مصادر الأشياء والنيل كان إحداها وآخرها التقاء صديق بعيد يحتاج إلى جواز سفر ليزوره الآن وبالأمس كان مجرد دخوله لحجرة الدرس كافيًا ليراه .. لم يكن خالد يتحدث كثيرًا عن مثل هذه الأمنيات لكني كنت موقنًا برغباته المحبوسة داخله أكثر من تلك التي كان يُعبِر عنها بالكلام .. فالروح مرآة ؛ وكانت عيناه وتعابيره منفذًا لا يضيق لعبور رؤية صديق مقرب يرافقه معظم الأوقات .!
اليوم عطلة الجمعة أواخر العام 2016 وبعد كل هذه السنوات التي لا تكفْ عن إخباره بجهله ، واختبار إحساس إخفاء المعرفة عنه ولو بمجرد معلومات عن صديق ؛ يجد حسابه في إحدى مواقع التواصل وهو يبحث عنه أو وجود صديق قد التقاه ليصله به .. ليلتها المباركة حسب معتقدات دينه كانت تحمل إشارة ما كما يؤمن ويعتقد ؛ فربما سيلتقيه قريبًا أو يجد خيطًا يقود إليه ، وبرغم أن هذه الليلة لا تعني لآتيان توماس شيئًا سوى مجرد يوم في ورقة التقويم يُذكِره بما حدث لفترة طويلة لحياته في الخرطوم ؛ جاءه آتيان توماس فيها ، رآه في منامه ، استيقظ بعدها خالد فرحًا مستبشرًا بهذا الحلم ، وهو يُعيد تذكر التفاصيل بدقة كما رآها .. رأى أنه التقاه صدفة كما حدث معه منذ زمن بعيد حينما كان يعمل مع والده ، تكرر الحلم مرتين ، لا يذكر من الحلم إلا اسمه ووجهه واحتضانه له .. وكل ما تركه له الحلم بيده هو إشارة بالبحث أكثر والسؤال والانتظار ..
 
 قبل وقت طويل .. آخر مرة رآه خالد أمامه كان أثناء عمله مع والده كمساعد في الحافلة أواخر العام 2011 ؛ وهو يحاول النزول من سقف الحافلة متعلقًا على بابها بعد انتهائه من ربط كل جوالات تجار الملابس في موقف سوق ليبيا . كان جانب وجهه الأيمن هو أول ما أبصر ، يجلس قرب الباب على ذلك المقعد العالي في الحافلات الكورية الصنع ؛ كأنه شيخ كبير في السن ، هادئ الشكل والملمح ، يمسك بحقيبته بين يديه ويتكئ عليها وناظرًا أمامه ، متجردًا من المكان والزمان ، تبدو في ملامحه سمات الشعور بالغربة ، إحساس الغريب والمختلف وإن بدت تقاسيم وجهه هي ذاتها كما عرفها منذ أمد بعيد ؛ هاشة باشة مليئة بالسرور والسلام حتى تلونت به . الدهشة والفرح كانا كبيرين لدرجة أنه لم يصدق ذلك حقًا واسمه تنزل على ذاكرته كاملًا كما لو أن الأستاذ في المدرسة يذكره الآن ليسلمه نتيجة الفصل الثانوي ، ودائمًا ما خاب ترقبه وانتظاره لنداء اسمه كأول الفصل ليرضى بالترتيب الثاني ويكون هو في الترتيب الثالث بعده . كل هذه السنوات البعيدة والطويلة ، كل الجغرافيا التي كرهها في تفاصيل إبعادها لصاحب عزيز مثله كانت حاضرة في لحظة نظره إليه ، كان فريدًا بالنسبة له ، لم يلتقِ بشخص مثله كصديق وزميل دراسة من قبل وصار قريبًا هكذا إلا في بداية المرحلة الأساسية وكان ذلك لوقت قصير لا يشبه هذا ؛ ترنحت معرفته بأسباب كثيرة منها صغر السن والخوف وبساطة تجربة الحياة في استمرارية الصداقة حينها فنسيه إلا بما تبقى ضئيلًا من الأشياء بالذاكرة  آخر ما يذكره بعد نهاية المرحلة الثانوية للعام 2007 هو سؤاله عنه من بعض زملائه الذين التقى بهم .. حصل منهم فقط على أرقام هواتف مغلقة ؛ لا ترد إذا رنت . هذه الحياة ودنياه كانت تلعب لعبة رديئة سمجة معه فيما يتعلق بما يريد ، وكل مرة لا يتعلم منها وهي لا تكف عن فعلتها هذه .
 نزل على سلم الحافلة تمامًا دون أن يطأ الأرض ، وضع يده على كتفه ذاكرًا اسمه بصوت المفاجأ بشيء أمامه ، بصوت عالي نوعًا ما ، لينتبه معظم ركاب الحافلة وسط دهشة والده ونظرته المستغربة نحوه . بصوت دهشة المنتظر لشيء مبهم ولصدفة مثل هذه خرج الاسم كما تعود أن يناديه به : آتـيان توماس .!
 ثلاثة فصول ، ثلاثة أعوام دراسية ، الكثير من استراحات الفطور التي ترافقا فيها وسندوتشات الفول والطعمية وتحلية بلح الشام التي يهربها خالد من المدرسة المجاورة ، مراجعات حصص الرياضيات وتمارينها والتسابق في حلها وتصحيحها ، رسم واستخراج المساقط الهندسية ، أوقات الحديث تحت شجر النيم ومصطبة المسرح في المدرسة ، كل مباريات دوري الفصول وتمارينها طيلة ثلاث سنوات ، كل هدف أحرزه وكل تمريرة بينهما والمرة الوحيدة التي حمل فيها آتيان على ظهره احتفالا بهدفه الذي أحرزه . كل الفترة التي عرفه فيها أحس بكونه مثله تمامًا ، لم يلحظ لسواد سحنته بذلك الشكل الحقيقي الذي يجعل بينهما فارقًا يُذكر إلا في اليوم الذي أعلنت فيه الإذاعة سقوط طائرة جون قرنق وموته ، ومجيء والدته إلى المدرسة وخرجت به وأخيه الأكبر مامور قبل استراحة الفطور ، كل الأحداث التي صاحبت ذلك اليوم وحديث الناس عن كل الجنوبيين بتلك الطريقة عرت نظرته لصديقه ، شُلت أطرافه وتفكيره وضاقت عليه الأماكن كما لو أنه مدفوع بحائط على كامل جسده ؛ عاجز عن التفكير وعن الحركة يشعر بالألم والخوف ! خوف عليه وخوف العاجز الذي يريد أن يقول هذا صديقي وليست لديه يد في أي شيء يحدث . يومها رجع إلى البيت سيرًا على الأقدام مع انعدام وسائل النقل ، فالمسافة غير بعيدة .. فقط سبعة كيلومترات وهي ليست بشيء يذكر طالما أن الشارع مليء بمن يسيرون مثله نحو بيوتهم وطالما كان مضطرًا لأن يمشي . كان متعبًا ، منهكًا ويشعر بالألم ؛ لم يكن ما يؤلمه هو جسده وقدماه حينها فقط ، كانت الساعات المتباطئة من التفكير والتخيل ومحاولة إدراك ما يحدث تؤلمه بصورة أكبر .. وسؤال مخيف وثقيل يخطو معه كل خطوة : ماذا سيحدث لآتيان توماس .؟!
وصل البيت فرِحًا ، مرهقًا خائفًا ، صوت أمه المفزوعة والخائفة والمطمئنة برجوعه إلى البيت أول ما استقبله ،  كانت ليلة طويلة جدًا تلك الليلة ، ما حدث وتمنى شروق الشمس بذلك المقدار والرغبة ليذهب للمدرسة في اليوم التالي إلا ساعتها ، والوقتُ كان بطيئًا محملًا بكل الخوف والإشاعات التي تملأ الإنسان بالترقب والاستعداد بقدر ما تهشم الروح في الداخل وتؤول بها للسقوط . ما كان يومًا عاديًا أن دخل المدرسة وقتها وهو يبحث ويسأل عنه ، لم تكن العيون مدركة ولا الآذان منصتة للصوت العالي داخله . الكل يتحدث ، الكل يحكي قصته ، الكل يحاول الظهور في الجانب المنتصر لما حدث في يوم الأمس من اضطرابات وحرائق وإصابات واعتداءات وموت ، والكل في ذلك اليوم وحتى اليوم لم يعرفوا أنهم منكسي الرأس ومنهزمين تمامًا وأن ما فقدوه لن يعود كما عودة الحياة للجسد مرة أخرى بعد أن غادرت .
تعلقت عيناه نحو مكان بعيد وقصي في فناء المدرسة ، توجهت خطواته نحوه . فتيَان طوال ، انتقل تركيزه نحو اثنين منهما ، أحدهما في مثل طوله والبقية أكثر طولًا منه ، والآخر عريض الكتفين عن البقية .. يبدوان ظاهرين وسط رفقائهم ، كانا هما آتيان توماس وأخوه مامور . مضى نحوهما وهو الخائف منه ومنهما ، عليّه وعليّهما ، حاملًا نوايا الذي يريد أن يطمئِن عليه ويُطمئِنه على كل شيء ، تحدثا ببعض الكلمات بعد السلام ، بعض التفاصيل كانت مفقودة ومحبوسة بينهما ، بعض المشاعر وردودها تلاشت في الوقت كما الثواني الضائعة التي لا فائدة منها ، وقف قربه لا أكثر حتى ضرب جرس الصباح فمضيا ووقفا للطابور كما أتفق في كل صباح وكأن شيئًا لم يكن ، كل قرب الآخر يسمع توجيهات الأساتذة التي لا تنتهي .

 في الحافلة .. لا يكف الرُكاب عن الحديث إلا إذا كان هناك ما يشغل الآذان والعيون ، وكانا آتيان توماس وخالد هذه الندرة التي شغلت الجميع ؛ فتى جنوبي وآخر شمالي يتحدثان إلى بعضهما دون صمت .. تبدو قرابتهما لصيقة جدًا ، الحكايات ما بدأت بينهما حتى ضاق الوقت لتنتهي ، لكنها كانت مستمرة مثل جريان النهر في فكرتها مهما يكن ، ظنا أنه لن يتوقف مهما حدث لكنه توقف عندما نزل آتيان من الحافلة ، عندما وصلت الحافلة إلى المحطة الأخيرة ، وكأنما أقيم سد بينهما فجأة ؛ كأنه أُسقط من السماء . كيف لـسد أن يصد كل ما هما عليه ويحجز حريتهما ؟ كيف لكل الأشياء التي اعتقدا أنها قوية تتشقق بهذه السهولة بمجرد نزول أحدهما من الحافلة ؟ كيف بوصولها إلى المحطة التي تقصدها بكل رتابة في كل يوم أن يكون بأثر الفاجعة واليأس الذي بدا في وجهيهما  .؟! كل الأفكار كانت تحملها ريح النسيان وقتها إلى أبعد ما يمكن بعيدًا عنهما ، وتمرد المقدرة التي كانا يملكانها في أيام المدرسة الثانوية ترسبت في أعماق بعيدة في الداخل وما طفا نحو ما يبدو أنه نجا من النشاط إلا وقيدته مسؤولياته الحالية ، دراسة جامعية ، أسرة بعيدة ، حياة مختلفة ، وأصدقاء جدد ووطن جديد .
حفظ رقم هاتفه .. الجديد حينها كما أخبره ، وكل يمسك بوعود اللقاءات الآتية ، لقاءات ما حصل أحدهما عليها إلا في شكل أحلام متقطعة يراها خالد كل فترة من الزمن وبعد كل هذه السنين . كان يفرح بها بقدر ما يحزن بالاحتمالات التي تحضر معها ، أهو بخير ؟ هل هو موجود في أي من سودانينا المختلفين ؟ هل سيراه ثانية ؛ وسيلتقيه ؟ أم وجوده في جوبا وحياته التي عاشها هناك من قبل الانفصال وبعده قد جعلت رؤية آتيان لما حوله بعين واحد ولون واحد وأفكار واحدة ؛ قد ربطته بوطن جديد ما كان يعرف منه إلا اسمه في الخريطة ؟ هل ما زال يحمل ذات العاطفة – التي يحملها نحوه ؟ وهل تراه حقًا سيتذكره إذا التقيا صدفة مرة أخرى ؟!

***
   لم يكن آتيان توماس في العام 2007 أجنبيًا ، لم يحتج لجواز سفر ليغادر الخرطوم نحو جوبا لكنه احتاج له عندما أراد العودة للخرطوم بعد أربعة أعوام ، لم يكن حينها سوى طالب سوداني يحمل أحلام مستقبله في دراسة الهندسة في جامعة جوبا ؛ وعاد كأجنبي .! فهل كانت نتيجة قبوله بهذه الكلية بداية لحكايا غربته الوليدة والممتدة حتى الآن ؟ هل فكر في ذلك حينها وهو يستقل طائرة الخطوط الجوية السودانية المتوجهة نحو جوبا في أواخر ذلك العام ؟!
  كأي شاب في عمره ، كانت فكرة الدراسة الجامعية في مخيلته شيئًا مبهمًا ومربكًا وتملأه بالحماس ، فكرة أن يسبق اسمه صفة مهندس كما نادته والدته وهي تحتضنه حين أخبرها بنتيجة قبوله بكلية الهندسة ، فكرة أن يحمل حقيبة أفكاره خفيفة نحو مكان جديد ومجتمع جديد ووطن جديد عند معرفته بأن دراسته ستكون في مدينة جوبا . كان جاهلًا بما ينتظره هناك لكنه يعلم أنه يستطيع النجاح في هذه التجربة التي بدأت الآن . مليء بالترقب ؛ أقلعت طائرته نحو الجنوب ، يخفق قلبه بسرعة كنتيجة طبيعية لزيادة الأدرينالين في دمه ولأول مرة يصعد على متن طائرة ، أحس بالتوتر وألم أسفل بطنه ، لم يكن قد تناول شيئًا منذ الصباح سوى بعض الخبز مع الشاي الذي صنعته أمه ، فكر بتناول بعضًا من وجبته التي أحضرتها مضيفة الطائرة لتذكره أن الألم البسيط الذي أحس به هو مجرد إحساس بالجوع .. رأى النيل من نافذة الطائرة مثل خيط صغير وغير واضح اللون ، مبعثر وغير منتظم كما لو أن يد السيدة التي تحيك الثوب منه تعمدت وضعه هكذا تحتها دون انتظام ، كما لو أن النيل يخبره أن إرادته ومسيرته في مساره غير المنتظم أنه حر .. حر منذ أن كان أباداماك* يسيطر على مشيئة وعبادة إنسان الحضارة الكوشية مُنصبًا كإله لهم ، وحتى يوم الديمومة حين يلتقي المسيح . تساءل هل رحلته هذه ضد إرادة الطبيعة وهو يراقب النيل ؟ لم يجد إجابة واضحة سوى احتمالات مجهولة ومبهمة ، ما أراد الخوض فيها الآن ..  اتكأ أكثر على المقعد محاولًا أن يغفو قليلًا ؛ لكن الغفوة لا تأخذ صاحبها للنوم من دون إدخاله لقناة الأفكار والتساؤلات ! فظل يفكر من دون حول له ولا قوة في أمر رحلته هذه ، ذكرياته والقصص التي سمعها من أهله عن الجنوب كانت أرقه الدائم منذ وقت طويل كلما فكر بحلم العودة لما أخبروه عنه أنه موطنه والآن كل هواجسه توشك على مقاربة الحقيقة . أثناء تداخل أفكاره كانت الأرض تتحول شيئًا فشيئًا للون الأخضر ، سرقه المنظر منذ تجاوزت الطائرة مدينة كوستي ، النيل مختلف هنا ، الطبيعة جذبت أفكاره وخدرته من كل إحساس بالفقد والحنين ، شعر براحة في داخله تملكته قوة عظيمة بالرهبة المصاحبة لترقبه للنزول ولأن يكون جزءًا من كل ما يراه ، كان خفيفًا وهو ينزل من سلم الطائرة حرا من أي قيد ، رطوبة الجو الاستوائي أحاطته لتشعره بغرابة الأجواء الجديدة ، بدا مندهشًا وهو يخرج من المطار ؛ حد نسيان كل ما خلَفه وراءه في هذه اللحظة ، أحس بالعبرة تخنقه مما شاهده ، تحسر لمضي كل هذا الوقت وهو بعيدٌ عن هذا المكان وحَزِن مثل قلب أم ترى آلامًا كثيرةً توثق وتحيط بأبنائها وبالمكان .. المكان الذي يمثل لها كل حياتها .. المكان الذي كان في ذاكرته الورقية والمطبوع على سحنته هو موطنه الجيني الذي خبروه عنه مئات الحكاوي منذ أن كان طفلًا .
 بعد أسبوع من وصوله ؛ شعر آتيان توماس وهو يتجول في المدينة الجديدة بالوحدة ، أسماء الشوارع الغريبة لمخيلته الشمالية كان عصيًا على الحفظ والتقبل ، شكل المباني والطرقات ، حركة المرور المختلفة عن الشمال ، المحلات التجارية والترفيهية ، كان غريبًا في أيامه الأولى ، يبحث عن ألفة المكان في داخله المضطرب في كل التفاصيل التي حوله ، في كل تفاصيل الحكايا القديمة .. الجامعة لم تكن ذات أثر كبير في أن تغيّر شيئًا من حالته ، فيومه يبدأ بمحاضرة وينتهي بمثلها ، دام على حالته تلك كل فترة الفصل الأول ، ثم بدأ يتعود ويتأقلم مع حياته الجديدة . وكعادة كل ولايات البلاد لا تخلو من وجود قريب فيها ؛ كان لآتيان توماس نصيب من الأقرباء الجدد والقدامى الذين تسابقوا على ضمه لأسرهم وضيافته للسكن معهم ؛ أولئك الذين التقى بهم في الخرطوم قبل سنوات طويلة وسمع برحلة عودتهم إلى جوبا من والدته .
 حركة السير والمواصلات كانت بسيطة ، وفكرة أن يمشي كل المسافة من غرب حي طراوة حتى الجامعة كانت تذكره بفترة المدرسة الثانوية ، في الأيام الأولى كانت متعته في المشي واستكشاف الطرق والأحياء حتى الجامعة تثير فضوله ومع مرور الوقت بدأ التعود ، كان يبدأ من شارع ثلاثة مرورًا بحديقة جون قرنق التذكارية حتى شارع مابورو الذي يوصله للجامعة ، لم يشغله فصل الأمطار الدائم في المدينة وابتلاله معظم الصباحات والمساءات برغم المظلة التي يستخدمها عادة للمشي من البيت إلى الجامعة والعكس .. كانت نقاط حياته المتقطعة وغير المنتظمة تبدأ بالاستمرار والوضوح لتصير خطًا واضحًا ، إذ كانت الأشياء الممتعة تتسرب إلى حياته ببطء وبهدوء .. بدأت حياته الاجتماعية تنمو في بيئتها الملائمة ، تعرف على الناس في الحي ، والحقيقة كان أهل الحي هم من عرفوه منذ أول أسبوع جاء فيه وبعد أن ذهب مع خاله يوم الأحد إلى الكنيسة .
 تعرف خلال سنة من مجيئه على كل طرقات وأحياء جوبا ، تجول في كل حي مع صديقه لويس ، كان يقضي الوقت معه في معرفة المدينة والناس والتمارين الرياضية ، فهم كل شيء قد يؤدي إلى توتر المدينة .. تفاجأ من كثرة اضطرابها السياسي وكان يعتقد أن كل شيء سيكون هادئًا بعد انتهاء الحرب مع الشمال .. فالكل متشابهين هنا لا فرق بينهم كما كان في الشمال . فكر في المفاضلة بين أيام الحرب والسلام . الفرق بين هنا وهناك .. حاول فهم ما يحدث دون الوصول إلى حل .. علم أنهم كجنوبيين ما يزالون مختلفين برغم وجودهم في وطن واحد .. متحاربين بالرغم من أن لونهم وسحنتهم واحدة .. وتذكر مقولة محمود درويش :  ( سنصير شعبًا حين ننسى ما تقولُ لنا القبيلة ) 
 
 فقد كل وسائل تواصله مع أصدقائه من الشمال ، كل ما تبقى لديه منهم ذكريات متفرقة من الأحداث والكثير من الهدايا ، قمصان أندية كرة القدم التي يحب ، أقلام ، دفاتر ، ساعة ، وغيرها .. وككل إنسان شعر بالحنين والشوق للناس والأماكن والأهل البعيدين .. حَدّثَ نفسه بالعودة ، كان شعوره قويًا وعميقًا جدًا في هذه المرة لا كما في مجيئه إلى جوبا ، هل كانت هي عودة حقًا أم أنها فرض يجيب عليه دفعه وإقامته لفترة من حياته ؟ الحياة في العام الثاني اضطربت جدًا في جوبا فقد نشطت الدعوات التي تنادي بالانفصال والاستقلال عن الشمال ، خفف عنه مجيء أخيه إلى جوبا .. فكر بالسفر إلى مكان آخر لا يستشعر فيه بكل الخوف والاختلاف والغربة كما في جوبا والخرطوم . كانت تتجول فكرة الهجرة إلى أميركا وأستراليا كفتاة حسناء في مخيلة كل شباب في مجتمعه وقتها ، قصص المهاجرين التي تصلهم كانت تجعله يأمل في حياة جديدة له ولأسرته . كل محاولاته للهجرة تحتاج للكثير من المال لتحقيق رغبته في السفر ، وأول العقبات كانت استخراج جواز سفر .. لم يكن يتم في تلك الفترة استخراج جوازات سفر من حكومة السودان للجنوبيين كما أن فرص الهجرة للسودانيين كانت أضعف مِن مَن ليس لديه جواز سفر في الأصل ، وبدأت الحكومة الشمالية في تغيير أوراق الجنسية لما أُطلق عليه بالرقم الوطني .. وصارت الجنسية السودانية التي يحملها عدد كبير من الجنوبيين مجرد وثيقة ورقية منتهية الصلاحية .. ترك الدراسة في الجامعة وسافر إلى يوغندا محاولًا العمل ، لم تكن لغته الإنجليزية حاجزًا له في التعامل ، تمكن من إيجاد عمل بعد فترة شهر قضاها في البحث وبعد مساعدة صديق قديم لخاله يعمل في يوغندا . 
 مضت سنة على وجوده في يوغندا عمل فيها في التجارة معظم الوقت ، لم تكن أرباحه كثيرة في بادئ الأمر لكنها تحسنت وتطورت مع مرور الوقت ، حاول جمع أكبر قدر من المال ونجح في ذلك .. في العام 2010 عاد إلى جوبا لزيارة أهله لكنه لم يتمكن من العودة إلى يوغندا مرة أخرى ؛ كانت فترة الانتخابات والتصويت على استفتاء جنوب السودان ، للوحدة أو الانفصال . الأحداث جاءت متسارعة ومتتابعة ، فعاد لمواصلة دراسته التي عمد إلى تجميدها ، ففكرة أن يهاجر وهو يحمل شهادة جامعية كانت ترسخت في ذهنه ورأى أنها فكرة جيدة ويمكن أن يقضى بها ما تبقى من وقته في انتظار قد يطول ، ولعلها تفتح أمامه فرص جديدة . في يوليو من العام 2011 حينما كان يُنهي الفصل السادس من دراسته الجامعية أُعلنت جنوب السودان دولة مستقلة
 
 ساد الجنوب فترة من الهدوء ، نشطت التجارة والسياحة والاحتفالات المتعددة المصاحبة للاستقلال ، الأجواء كانت رطبة ومرتوية بإحساس الحرية وتحقيق الأحلام التي يصل عمرها لنصف قرن ، أول ما قام بفعله حينها هو استخراج جواز سفر ، رغم المشقة التي واجهها لكن كان لمصادفة دراسته في جامعة جوبا وعلاقة خاله ببعض المسئولين حينها ما سهل له ذلك .. تلاحقت الأيام وهو يحاول أن يجد فرصة للهجرة الشرعية كما تمنى ، فكل الطرق الأخرى والموجودة كانت تكلفه الكثير ، وكل ما جمعه خلال سنة وهو بيوغندا أنفقه خلال سنة مثلها في جوبا .. وبرغم محاولته لمواصلة عمله لكنه لم ينجح كما في المرة السابقة .. 
في نهاية ذات العام ظهرت نتيجة قبوله في برنامج الهجرة لأمريكا السنوي ، ولعدم وجود فرع للسفارة الأمريكية حينها في جوبا لإتمام إجراءاته ؛ اضطر للسفر لأقرب سفارة وقنصلية .. وأختار كمحطة أخيرة له أن يسافر إلى الخرطوم .
 
 المدينة والبلاد التي غادرها قبل سنوات كمواطن عادي ؛ عاد إليها بجواز سفر أجنبي وجنسية مختلفة .. أوقفه موظف الجوازات في مطارها ليختم قرب إسمه أول دخول له كأجنبي ؛ مقيد بفترة قابلة للتجديد في مكتب شؤون الإقامة للأجانب . وقتها صارت أفكاره ناضجة وبسيطة جدًا ، متعلقة كلها بحلم واحد وهدف واحد .. والشعور الذي يحمل وداعاته وعاطفته لوطنين لم يدركا كل الآثار التي خلفاها في شعوبهما طمره عميقًا في الداخل . وصوله للخرطوم يوجب عليه زيارة من بقى من أهله ، ذهب إلى أم درمان مع أحد أقربائه الذي كان في استقباله في حفاوة بالمطار ،  فالابن الذي سيهاجر لابد من الفرح به ، وهذا ما حدث معه عند وصوله للبيت . كان اليوم طويلًا بكل الحكاوي التي حدثهم بها وحدثوه بها ، الجو الأسري عطر الحي النائي بضاحية أم درمان الغربية ، وفي الصباح كما قامت عليه الأعراف كان يجب عليه زيارة من تبقى من أهله في أحد أحياء الخرطوم الجنوبية ولوداعهم أيضًا .. لم يعلم أن هناك ما سيغيّر من تفاصيل ذاكرته وحياته لوقت طويل ..
 وصل إلى محطة الحافلات ، يحمل حقيبة ظهر جلدية ، يبحث عن الحافلة المناسبة للمكان الذي يقصده ؛ ذاكرته بأسماء الأماكن لم تغيبها وتمسحها الأمطار الاستوائية في جنوب السودان ، اسم حي الكلاكلة الوحدة ما زال محفور داخله ومطبوع مثل تاريخ ميلاده ، الوحدة التي لم يعرفها كلا الشعبين لوقت طويل كانت مجرد إسم حي يتشاركون السكن فيه . كانت دراسته وأصدقاءه من المدرسة الثانوية من ذلك الحي .. تذكر الكثيرين وتمنى أن يلتقيهم .. تمنى أن يذكروه كما يفعل ، وتمنى أن يبادلوه نفس العاطفة . لا أحد ينسى المكان الذي نشأ فيه وإن جاءه بعد سنين وإن كان بواسطة جواز سفر مختلف ، وإن كان منبوذًا وغريبًا تأكل تفاصيله نظرات الناس المتسائلة .
 في موقف سوق ليبيا وجد الحافلة المناسبة بعد أن أخبره الصبي الذي لمع له حذاءه بمكانها بعد أن عرف أنه قادم من جوبا ولا يعرف شيئًا في هذا السوق الجديد .. أشار له الصبي على حافلة يقف مساعدها أعلاها وهو يُحمِّل الجوالات على سقفها ، كان قد تبقى في الحافلة مقعدٌ واحد لتمتلئ عندما وصل قربها ؛ فأسرع بالصعود بفرح من لا يود الانتظار حتى تأتي حافلة أخرى ، لم يجلس لأكثر من دقيقة حتى أحس بيد تُوضع على كتفه وصوت قديم ما زالت نغمة ندائه عالقة بسمعه بعد كل هذه السنوات ؛ وهو ينادي اسمه بفرح : آتيان توماس .!

 * أباداماك أو ابيداماك: هو إله محارب بوجه أسد وكان رمزًا لإله الحرب لدى النوبيين القدماء في فترة الحضارة المروية

تعليقات الفيسبوك

اترك تعليقاً

‫شاهد أيضًا‬

ينْتَظِر البَعْثَ كُلَّ مَساء ..!

 | نضال الغريبي – الشاعر التونسي المنتحر مثل الخراباتِ القديمة، رحنا نسير مبعدين نتت…